الإكثار من الأحاديث الضعيفة بدعوى فضائل الأعمال

ما رأي الشرع في الدعاة والوعاظ والخطباء والعلماء الذين يكثرون من إيراد الأحاديث الضعيفة، والتي بات يعرف ضعفها صغار طلبة العلم بفضل جهود علماء الحديث؟ وإذا أنكرت على هؤلاء؛ فإنهم يقولون: "الحديث الضعيف يُعمل...

الإكثار من الأحاديث الضعيفة بدعوى فضائل الأعمال

س
ما رأي الشرع في الدعاة والوعاظ والخطباء والعلماء الذين يكثرون من إيراد الأحاديث الضعيفة، والتي بات يعرف ضعفها صغار طلبة العلم بفضل جهود علماء الحديث؟ وإذا أنكرت على هؤلاء؛ فإنهم يقولون: "الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال، وفي الوعظ والترغيب والترهيب".
جــــ

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ذهب بعض العلماء إلى جواز إيراد الأحاديث الضعيفة في الوعظ والإرشاد مما يُعرف بفضائل الأعمال؛ حتى تصور كثيرون أن هذا الرأي متفق عليه عند علماء الحديث.

ولا شك أن هذا التصور خطأ كبير، فقد ذهب عدد كبير من المحققين إلى أن الحديث الضعيف لا يُعمل به لا في الفضائل ولا في غيرها، وهذا مذهب البخاري، ورجحه الشيخ الألباني في عصرنا.

على أن من أجاز العمل بالضعيف في الفضائل؛ شرط لذلك شروطًا مهمة حتى لا يصبح وهو والصحيح سواء، وأبرز هذه الشروط أن يكون الضعف خفيفًا، وأن يكون الأصل ثابتًا أصلًا بغير الحديث الضعيف، وأن يُبيِّن الواعظ للناس أن الحديث ضعيف.

هذا، والعلماء المتبحرون في علوم الشريعة لن يحتاجوا أبدًا إلى هذه الأحاديث الضعاف؛ لأن في الصحيح غنية وكفاية، ولكن من يتداولون الأحاديث الضعيفة إنما يستسهلون لشهرة الأحاديث الضعيفة، ولقلة بضاعتهم في الحديث وعلومه.

وكثيرًا ما يَسْتَنِد هؤلاء إلى ما اشتهر من أن الحديث الضعيف تجوزُ روايته في فضائل الأعمال والقِصص والترغيب والترهيب، ونحو ذلك.

ونحب أن نُنَبِّه هنا إلى عدة أمور:

الأول: أن هذا الرأي غير مُتَّفَق عليه، فهناك من الأئمة المُعْتَبرين مَنْ رفض الأخذ بالضعيف في كل مجال، سواء فضائل الأعمال وغيرها. وهو مذهب “يحيى ابن معين” وجماعة من الأئمة، والظاهر أنه مذهب “البخاري”، الذي دَقَّق أبلغ التدقيق في شرائط قبول الحديث، و”مسلم”، الذي شنَّع في مقدمة صحيحه على رُواة الأحاديث الضعيفة والمُنْكَرة، وتَرْكهم الأخبار الصحيحة. وهو الذي مال إليه القاضي “أبو بكر بن العربي”، رأس المالكية في عصره، و”أبو شامة”، رأس الشافعية في عصره أيضًا، وهو مذهب “ابن حزم” وغيره.

الثاني: أنه إذا وُجِد في الصحيح والحسن ما يتضمن المعنى المُراد تعليمه أو التذكير به؛ فلا معنى للُّجوء إلى الضعيف والواهي، فقد أغنى الله بالجيد عن الردئ، وقلما يوجد معنى ديني أو خُلُقي أو توجيهي لا يوجد في الصِّحاح والحِسان ما يُوفِيه. ولكن قُصور الهِمَم، وأخذ أي شيء يجئ في اليد، دون معاناة البحث والمراجعة، جعل الناس يَسْتَسْهِلون رواية الضعيف بإطلاق.

الثالث: أن الحديث الضعيف لا يجوز أن يُضاف إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصيغة الجَزْم، قال في التقريب وشرحه: وإذا أردتَ رواية الضعيف بغير إسناد؛ فلا تقل: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: كذا، وما أشبهه من صيغ الجزم، بل قل: رُوِي عنه كذا، أو بلغنا عنه كذا، أو ورد عنه، أو جاء، أو نقل عنه، وما أشبهه من صيغ التمريض، كـ(رَوَى بعضُهم). فما اعتادَه كثير من الخُطباء والوعاظ بتصدير الأحاديث الضعيفة بقولهم: قال رسول الله؛ أمر مردود.

الرابع: أن العلماء الذين أجازوا العمل بالضعيف في مثل الترغيب والترهيب؛ لم يفتحوا الباب على مصراعيه لكل ضعيف، وإنما اشترطوا لذلك شروطًا ثلاثة:

1ـ ألا يكون الحديث شديد الضعف.

2ـ أن يَنْدَرِج تحت أصل شرعي معمول به ثابت بالقرآن أو السنة الصحيحة.

3ـ ألا يُعْتَقَد عند العمل به، ثُبوتُه عن النبي – صلى الله عليه وسلم ـ بل يُعْتَقَد الاحتياط.

ومن هذا يَتَبَيَّن أن أحدًا من علماء الأمة لم يفتح الباب على مصراعيه لرواية الأحاديث الضعيفة، بلا قَيْد ولا شرط؛ بل اشترطوا الشروط الثلاثة المذكورة، فضلًا عن الشرط الأساسي، وهو: أن يكون في فضائل الأعمال ونحوها مما لا يترتَّب عليه حكم شرعي.

وينبغي في رأيي أن يُضاف إلى هذه الشروط شرطان آخران:

1ـ ألا يَشْتَمِل على مُبالَغات وتَهْوِيلات يَمُجُّها العقل أو الشرع أو اللغة. وقد نص أئمة الحديث أنفسهم أن الحديث الموضوع يُعرَف بقرائن في الراوي أو المَرْوي.

2ـ ألا يُعارِض دليلًا شرعيًّا آخر أقوى منه.

والله أعلم

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك