ترك العلوم النظرية والعلمية لتعلم علوم الدين

ما قولكم في بعض الشباب الذي يترك الكليات النظرية التي تتعلق دراستها بعلوم الدنيا، ويتجه لدراسة الشريعة، بحكم أن هذه أرضى لله، وأن علوم الدنيا لا نفع فيها؟...

ترك العلوم النظرية والعلمية لتعلم علوم الدين

س
ما قولكم في بعض الشباب الذي يترك الكليات النظرية التي تتعلق دراستها بعلوم الدنيا، ويتجه لدراسة الشريعة، بحكم أن هذه أرضى لله، وأن علوم الدنيا لا نفع فيها؟
جــــ

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أعدل ما قيل في علوم الدنيا ما قاله الإمام الغزالي، وهو أن فرض الكفاية منها: كل علم لا يُستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب، فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حَرِجَ أهل البلد (يعني: دخل عليهم الحرج والمشقة) وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين (أقول: وقد يحتاج البلد أكثر من واحد، فالمهم أن يوجد العدد الذي يكفي ويسد الحاجة المطلوبة).

قال: “ولا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات، كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة، فإنه لو خلا البلد من الحجَّام (الذي يقوم بجراحة الحجامة، وهو نوع من الجراحة الخفيفة) تسارع الهلاك إليهم، وحَرِجُوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، وأرشد إلى استعماله، وأعد الأسباب لتعاطيه، فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله”.

وأما ما يُعَدُّ فضيلة لا فريضة، فالتعمق في دقائق الحساب، وحقائق الطب، وغير ذلك مما يُستغنى عنه، ولكنه يفيد زيادة قوة القَدْر المحتاج إليه”.

وما قاله الغزالي هنا قوي وموافق لمقاصد الشريعة، فإنها تقصد إلي إنشاء أمة قوية عزيزة مكتفية بذاتها، قادرة على التصدي لأعدائها، وهذا يوجب عليها ـ بالتضامن ـ أن تتفوق في كل العلوم الطبيعية والرياضية التي تحتاج إليها الأمم في عصرنا لتنمو وتتقدم، وليس الطب والحساب فقط، فإنما قال هذا باعتبار زمانه، كما تحتاج الأمة في زمننا إلي الصناعات التكنولوجية المتطورة، وليس أصول الصناعات القديمة وحدها، فكل ما يؤدي إليها، ويعين عليها، فهو فرض كفاية على الأمة، حتى تكون سيدة نفسها، ولا تكون عالة على غيرها.

إن الغرب قد ساد العالم في عصرنا ـ ومنه العالم الإسلامي ـ بما ملك من علوم الدنيا، من الفيزياء والفلك والكيمياء والجيولوجيا والبيولوجيا وغيرها، وأنشأ ثورة بل ثورات في العلوم ولاسيما في مجال الإلكترونيات والفضائيات والذرة والهندسة الوراثية وغيرها، وفي مجال الأسلحة والأدوية ونحوها.

وقد أدي انفصال الإيمان عن العلم في الغرب: أن أصبح هذا العلم ـ في الجانب العسكري ـ خطرًا يهدد العالم بأسلحة الدمار الشامل: النووية والكيماوية والجرثومية.كما أصبح مجالاً لصناعة أدوية غير مأمونة، بل غير مشروعة، يروجها أناس لا يخشون خالقًا ولا يرحمون مخلوقًا.

وكذلك أمسى الناس يخافون من تطور علم “الجينات” وتقدم الهندسة الوراثية، والقدرة على استنساخ الحيوان: أن يدخل ذلك عالم الإنسان.

ولا علاج لذلك إلا أن يكون العلم في حضانة الإيمان، وأن يدور فلك القيم والأخلاق، وهذا ما يوفره الإسلام لأهله: حيث يوجب على المسلم أن يكون العلم نافعًا للناس لا ضارًّا بهم، وقد استعاذ النبي الكريم من علم لا ينفع.

مناقشة للإمام الغزالي في اعتباره تعلُّم الدقائق فضيلة لا فريضة:

هذا ولا نوافق الإمام الغزالي على اعتباره التعمق في دقائق الحساب، وحقائق الطب: مجرد فضيلة لا فريضة، فلعل هذا كان بالنسبة إلى زمنه، أما زمننا فيعتبر التعمق في هذه العلوم وما يشبهها من الرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء وعلوم الأرض (الجيولوجيا) والأحياء (الحيوان والنبات) وعلوم البحار والصحراء، والتشريح ووظائف الأعضاء وغيرها، بحيث يصل إلى دقائقها، ويرتقي إلى حقائقها: فريضة لازمة، والأمم تتسابق في هذا تسابقًا خطيرًا، كل منها تحاول أن تحتل مكانًا يجعل لها قدرًا، وأن تهيئ الفرص للنوابغ من أبنائها ليتعمقوا ويتفوقوا.

ولولا التعمق في هذه العلوم ما وصل عصرنا إلى تحطيم الذرة، وغزو الفضاء، وصناعة “الكمبيوتر” والإنترنت والثورة التكنولوجية، وثورة البيولوجيا (هندسة الوراثة والجينات) وثورة الاتصالات، وثورة المعلومات، وغيرها مما أمسى من خواصِّ عصرنا.

وقد لا يكفي واحد متخصص في جانب لإسقاط الحرج والإثم عن الأمة، إنما هذا بحسب الحاجة، والغالب أن الأمة تحتاج في كل مجال إلى فريق كامل من الخبراء، يسدون الثغرة، ويلبون الحاجة، ويورِّثون الخبرة لمن بعدهم.

والله أعلم

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك