قوانين النصر وواجب المسلمين في تحصيله

Picture of إبراهيم شعبان

إبراهيم شعبان

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
إن ما يُصيب أمتنا في هذه الأيام، خاصة إخواننا في فلسطين الحبيبة؛ يجعل القلب يموت كمدًا، أما لهذا الليل من آخر، ومتى يأتي ذلك النصر الذي وعد الله به عباده؟ وماهو السبيل إليه؟!...

قوانين النصر وواجب المسلمين في تحصيله

س
إن ما يُصيب أمتنا في هذه الأيام، خاصة إخواننا في فلسطين الحبيبة؛ يجعل القلب يموت كمدًا، أما لهذا الليل من آخر، ومتى يأتي ذلك النصر الذي وعد الله به عباده؟ وماهو السبيل إليه؟!
جــــ

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فلاشك أن ما يدور بأمتنا الآن ليصيب القلب بالحزن والهم، ولكننا نريد الهم الذي يتبعه همة وحركة وعمل دؤوب لتحقيق عزة أمتنا وكرامتها، والمسلم الصادق لا يعرف أبدًا اليأس، بل هو دومًا في حركة دائمة في انتظار النصر المبين الذي بشّره به المصطفى صلى الله عليه وسلم: “ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا يبقى بيت مَدر أو وبر؛ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عز يعز الله به الإسلام، أو ذل يذل الله به الكفر”.

ويقول أيضًا: “لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا”، و”سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تُفتح أولًا رومية أو قسطنطينية؛ فقال: مدينة هرقل تُفتح أولًا” وهي القسطنطينية، وقد فُتِحت وهي اسطنبول الآن، وقد بقي أن تفتح رومية أي أن الإسلام سوف يدخل أوروبا من جديد.

ولكن لهذا النصر سبيل لابد من خوضه، ولا يقدر على المضي فيه إلا رجاله الذين تحلّو بالإيمان والصبر والثقة في نصر الله تعالى؛ فظهر تجردهم وكثرة تضحياتهم وكل مطمعهم إما النصر وإما الشهادة، كما أن لهذا النصر قوانين لابد أن يعيها من طمع في النصر؛ فالنصر لا يُمنح إلا لمن بذل من أجله كل غالٍ ونفيس.

ويقول سماحة الشيخ القرضاوي حول قوانين النصر:

إن النصر لا يأتي عفوًا، ولا ينزل اعتباطًا، ولا يخبط خبط عشواء…

إن للنصر قوانين وسُننًا سجَّلها الله في كتابه الكريم؛ ليعرفها عباده المؤمنون ويتعاملوا معها على بصيرة.

أول هذه القوانين: أن النصر مِن عند الله تعالى

فمَن نصره الله فلن يُغلب أبدًا، ولو اجتمع عليه مَن بأقطارها، ومَن خذله فلن يُنصر أبدًا، ولو كان معه العَدد والعُدَّة. وهذا ما نطقت به آيات القرآن واضحة بلا غموض، قاطعة بلا احتمال: {إِنْ يَنْصُرُكُمْ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الذِي يَنْصُرْكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلْ المُؤْمِنُونَ} (آل عمران: 16)، {إِذْ تستغيثون ربَّكم فاستجابَ لكم أنِّي مُمِدُّكُم بألفٍ مِن الملائكة مُرْدِفِينَ ومَا جعلَه اللهُ إِلًّا بُشْرى ولِتَطمئن بِهِ قُلُوبُكُمْ ومَا النصرُ إِلَّا مِن عندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزيزٌ حكيمٌ} (الأنفال:9 ـ 10)

قد ينصر الله القِلَّة على الكثرة كما نصر أصحاب طالوت ـ على قلتهم ـ على جند جالوت مع كثرتهم، رغم أن في أصحاب طالوت من قال حين رأى كثافة العدد، وقوة العدد في جيش جالوت: {لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 249).

وقد يُنصر من ليس معه جيش ولا سلاح قط، كما نصر رسوله محمد صلى الله عليه وسلم يوم الغار: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:40).

القانون الثاني: أن النصر للمؤمنين

إن الله لا ينصر إلا من نصره، فمن نصر الله نصره الله، قانون جاء بصيغة الشرط والجزاء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7)، وجاء في صورة الخبر الثابت المؤكَّد بلام القسم ونون التوكيد: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج:40).

إنَّما تتحقَّق النُّصرة لله تعالى بنُصرة دينه، وإعلاء كلمته، وتحكيم شرعه في خلقه؛ وبهذا جاء في وصف مَن ينصرون الله تعالى عقب الآية السابقة قوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (الحج:41).

وقد يُعبِّر القرآن عن نصر الله تعالى بالإيمان أو الجُندية لله تعالى، فمن آمن بالله حق الإيمان فقد نصر الله تعالى وغدا جنديًا في جيشه، وفي هذا يقول سبحانه: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (الروم:47)، ويقول: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (الصافات: 173).

القانون الثالث: إن النصر بالمؤمنين:

إن النصر ـ كما لا يكون إلا للمؤمنين ـ لا يكون إلا بِالمؤمنين، فالنصر لهم، والنصر بهم، فهم غاية النصر، وعُدَّته، وفي هذا يخاطب الله رسوله الكريم بقوله: {هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} (الأنفال:62 ـ 63).

قد ينصر الله من يريد نصره بالملائكة؛ يُنزلهم من السماء إلى الأرض، كما في غزوة بدر والخندق وحنين: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ}.(الأنفال: 12)، {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} (الأحزاب:9)، {ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} (التوبة:26).

وقد ينصر الله من يريد نصره بالظواهر الطبيعية يُسَخِّرُها في خدمته، أو يُسلِّطها على عدوه، كما سلَّط الريح على المشركين في الخندق: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا}، (الأحزاب:9، فُصِّلت:16)، وكما أنزل المطر رحمةً على المسلمين في بدر: {ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} (الأنفال:11).

وقد ينصر الله من يريد نصره بأيدي أعدائه وأعداء الله أنفسهم؛ بما يَقذف في قلوبهم من رعب يُدمِّر معنوِيَّاتهم، ويَقتل شخصياتهم، كما حدَث ليهود بني النضير: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} (الحشر:2).

ولكن أدوات النصر هذه كلها تتوقف على وجود “المؤمنين”.

فالملائكة التي نزلت في بدر، لم تنزل على فراغ، بل قال الله لهم: {أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ} (الأنفال:12).

وفي غزوة الأحزاب أرسل الله ريحَه وجنوده حين {ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا} (الأحزاب:11).

وفي غزوة حنين: {أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (التوبة:26).

وفي غزوة بني النضير كانوا: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} (الحشر:2).

والله أعلم

ذات صلة
حكم الإفرازات البنية التي يصحبها ألم كألم العادة
عمري ١٩سنة ومتزوجة، ومنذ ٤شهور والدورة عندي منتظمة، وبين كل عدة شهور تضطرب، فمرة تأتي متأخرة بعد أسبوع...
المزيد »
حكم تقطع دم النفاس قبل تمام الأربعين
وَلدتُ منذ 35 يوما، والدم أحيانا ينقطع بالأيام، وأحيانا يستمر. وأنا اليوم مسافرة إلى مكة، ويوجد دم. فهل...
المزيد »
الدم الذي تراه المرأة بعد إسقاط الجنين وأثره على الصوم
أنا في رمضان الماضي كنت حاملًا في الشهر الثاني، وكان حملي بنزيف بسبب الحمل فوق اللولب، ولم يستطيعوا إخراج...
المزيد »
حكم معاودة الدم بعد الطهر
أتتني الدورة 7 أيام تقريبا، وفي اليوم التالي لم ينزل شيء مني، فتطهرت وصليت، وبعدها بساعات نزل مني دم...
المزيد »
ما تفعل المرأة إذا زادت عادتها عن خمسة عشر يومًا؟
أنا في حيرة من أمري، فبعد ولادتي استخدمت اللولب، وحصل معي اضطرابات في الدورة، مع العلم أنه تم تركيبه...
المزيد »
أثر استعمال اللولب على العادة الدورية والعبادة
أستخدم مانع حمل، وُضع في الرحم، وعلى إثره أصبحت الدورة الشهرية مدتها طويلة جدا، تصل إلى ثلاثة أسابيع....
المزيد »
الصفرة والكدرة غير المسبوقة بدم الحيض
منذ سنة تقريبًا بدأت أرى قبل الحيض بيوم واحد فقط كدرة يصاحبها ألم، ومغص الدورة العادية، ثم يتبعها في...
المزيد »
بعد الانتهاء من الصلاة وجدت كدرة كثيرة
عند صلاة العصر لاحظت بعض الإفرازات، وكانت ذات لون مختلف عن الإفرازات العادية؛ فاستنجيت، وتحفظت بمنديل،...
المزيد »
ما حكم الصفرة والكدرة والدم العائد بعد الطهر
عندي إشكالية في التفريق بين الحيض، والاستحاضة، وأعاني من هذا الشيء شهرياً، خصوصاً أن معي مشاكل في الغدة،...
المزيد »
حكم الإفرازات البنية وما شابهها بعد مدة العادة بسبب اللولب
أحتاج إلى فتوى شرعية. أنا متزوجة، ودورتي الأصلية 7 أيام، والحمد لله، منتظمة. بعد تركيب اللولب، أجد في...
المزيد »
من نزل منها دم أسود في غير وقت الدورة الشهرية
ينزل مني دم أسود في غير وقت الدورة الشهرية، فهل تجوز الصلاة و الصيام معه؟ وأنا أفقد الإحساس بالخشوع دائمًا،...
المزيد »
حكم الطهر المتخلل للنفاس
ولَدت ولادة قيصرية منذ عشرين يوما تقريبا، وبعد الولادة بخمسة أيام، رأيت علامة الطهر، وصليت يومين. سألنا...
المزيد »
معنى كون الصفرة والكدرة تعد حيضا في مدة العادة
جزاكم الله خير الجزاء على موقعكم الرائع والمفيد: قرأت الكثير من الفتاوى هنا واستفدت ـ ولله الحمد ـ وهناك...
المزيد »
حكم الكدرة بعد الطهر
بعد الاغتسال من الدورة وجدت إفرازا بنيا قليلا عند الذهاب إلى دورة المياه ـ أكرمكم الله ـ وعند المسح لم...
المزيد »
حكم الصفرة المتصلة بالدم إذا تجاوزا خمسة عشر يوما؟
ما هي الحالة التي إذا استمر فيها الدم أو الصفرة المتصلة بالدم لأكثر من 15 يوما تغتسل المرأة وتصلي بعد...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك