![]()
الحديث المزعوم أنه “جمع فأوعى”
- غير مصنفة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن الحديث المذكور مجهول النسب، لا خطام له ولا زمام، لم يبين لنا من ينشره على الناس: من أخرجه من أصحاب الكتب، وأين وجده هذا الذي يوزعه على الناس، وهذا لا يجوز.
وإذا كان الناس في عصرنا لا يقبلون الأطعمة المستوردة إلا إذا عُرف منشؤها، وقدمت شهادة موثقة بذلك، فكذلك الأحاديث النبوية لا يقبل نشرها وتعميمها إلا إذا عرف من رواها من أئمة الحديث، وأنها مقبولة للرواية، بحيث تكون صحيحة أو حسنة، إذا كانت من أحاديث الأحكام، وأجاز بعضهم رواية الأحاديث الضعيفة في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال بشروط معروفة، وهي:
1ـ أن يكون ضعفها خفيفا، فلا تكون شديدة الضعف.
2ـ أن تندرج تحت أمر كلي ثابت بالقرآن وصحاح السنة.
3ـ ألا يعتقد ثبوتها، بل يعتقد الاحتياط.
وقد ضممنا إلى ذلك اعتبارات أخرى في كتابنا “كيف نتعامل مع السنة النبوية؟”.
أما الحديث الموضوع (المكذوب على رسول الله) أو الحديث الذي لا أصل له، أي لا يعرف له سند، فلا يجوز روايته بحال إلا لبيان حاله، والتحذير منه.
وقد ذكر العلامة ابن حجر الهيثمي في “فتاواه الحديثية” أنه لا يجوز للخطيب في الجمعة أن يروي حديثا لا يبين مخرجه ما لم يكن من العلماء الثقات الذين يعرفون الحديث ومصادره ودرجاته. ومن فعل ذلك من الخطباء يجب أن يعزر ويؤدب من أولي الأمر، أو يعزل عن الخطابة.
وهذا الحديث يبدو فيه ما لحظه الأخ السائل من صنعة وافتعال، فالظاهر -والله أعلم- أنه من اختراع بعض الواعظين الجهال، الذين ركبوا هذه الأجوبة على تلك الأسئلة، وكثير منها مأخوذ من أحاديث ثابتة أو واردة، مثل قوله: قال: أريد أن أكون أغنى الناس! فقال: كن قانعا تكن أغنى الناس.
فهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة: “ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.” ومثل ذلك قوله: أريد أن يكمل إيماني! فقال: “حسن خلقك يكمل إيمانك”. فهو مأخوذ من حديث: “أكمل المؤمنين إيمانا: أحسنهم خلقا”.
ومثل ذلك قوله: أريد أن أكون من المحسنين! فقال: اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، تكن من المحسنين. فهو مأخوذ من الحديث الشهير حين سأله جبريل عن الإحسان. فقال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
ومثل قوله: أحب أن أكون خير الناس فقال: كن نافعا للناس تكن خير الناس. فهو مأخوذ من حديث “خير الناس أنفعهم للناس”. ومثل قوله: أحب أن يرحمني ربي يوم القيامة فقال: ارحم نفسك وارحم عباده يرحمك ربك يوم القيامة. فهو مأخوذ من حديث “الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.
ومثل قوله: أحب أن تستجاب دعوتي. فقال: اجتنب الحرام تستجب دعوتك. فهو مأخوذ من حديث “أطب طعمتك تستجب دعوتك”. ومثل قوله: أحب أن أكون أقوى الناس، فقال: توكل على الله تكن أقوى الناس. فهو مأخوذ من حديث “من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله”.
ومثل قوله: أي حسنة أعظم عند الله تعالى؟ فقال: حسن الخلق والتواضع والصبر على البلاء. فهو مقتبس من حديث “أثقل شيء في الميزان يوم القيامة خلق حسن”، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}، ومثل قوله: أحب أن يسترني ربي يوم القيامة. فقال: استر عيوب إخوتك يسترك ربك يوم القيامة. فهو مأخوذ من حديث “من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة”.
وبعض الأجوبة الأخرى في الحديث يمكن أن يلتمس لها أصل في السنة النبوية أو في القرآن الكريم، وبعضها قد يصعب التماس أصل له، مثل قوله: قال: أحب ألقى الله نقيًا من الذنوب! فقال: اغتسل من الجنابة متطهرا، تلق الله نقيا من الذنوب، إذ مجرد الاغتسال من الجنابة لا يجعل الإنسان نقيا من الذنوب، وقد رأينا الأبرار والفجار يشتركون في الاغتسال من الجنابة. ومثله قوله: قال: أحب أن يوسّع الله علي في الرزق فقال: دم على الطهارة يوسّع الله عليك في الرزق! فمجرد الطهارة ليست سببا كافيا لتوسعة الرزق.
المهم أن هذا الحديث بهذه الصورة مصنوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرف له أصل أو رواية -فيما علمت- في أي كتاب من كتب الحديث. ولو أن صانعه جعله حوارا بين مريد وشيخه لكان في جملته مقبولا، ويكون من كلام البشر غير المعصومين، فيؤخذ منه ويترك.
أما نسبته إلى الرسول الكريم فهو أمر منكر، ولا يجوز روايته ولا نشره وتوزيعه على الناس بأي حال من الأحوال، ويجب أن يعزر ويؤدب من يوزع مثل هذه الأوراق على الناس، فإنها بمثابة الأغذية الملوثة والفاسدة، إلا أن الأغذية تضر بالأجسام، وهذه تضر بالعقول والقلوب.
- كلمات مفتاحية | ابن حجر الهيثمي, الأحاديث الضعيفة, التحذير من الكذب, الحديث الموضوع, السنة النبوية, الوعاظ الجهال, تخريج الحديث, علم الحديث



