هل يشرع قضاء دين مات وعليه زكاة، وحكم من دفعها لمن ظنه من أهلها فبان خطؤه

سائق يعمل في إحدى الشركات، ولديه ثمانية أبناء، وكان يريد تجهيز ابنته الكبرى للزواج، فكتب على نفسه كمبيالات لشراء أدوات كهربائية من أحد المحلات، وهي: (ثلاجة 12 قدما – بوتجاز 4 شعلة – غسالة...

هل يشرع قضاء دين مات وعليه زكاة، وحكم من دفعها لمن ظنه من أهلها فبان خطؤه

س
سائق يعمل في إحدى الشركات، ولديه ثمانية أبناء، وكان يريد تجهيز ابنته الكبرى للزواج، فكتب على نفسه كمبيالات لشراء أدوات كهربائية من أحد المحلات، وهي: (ثلاجة 12 قدما – بوتجاز 4 شعلة – غسالة فل أوتوماتيك)، وهذا لأن العادات والتقاليد في المناطق الشعبية مثل ذلك، ويعتبرون عدم تجهيز العروس مما يسبب عدم زواج بناته الباقيات، لأنها أسرة لا تستطيع تجهيز بناتها، وكذلك ليتم كتابة هذه الأشياء في قائمة الأثاث. ثم مات هذا الرجل قبل سداد هذه الديون، فهل يعتبر هذا الرجل من الغارمين الذين يمكن أن أعطيهم زكاة مالي؟ ثانيا: وإذا اعتبر من الغارمين، وجمعت للأسرة المال المطلوب، ودفعته لهم، ثم اكتشفت أن الكمبيالات مزورة، فهل عليّ وزر أو إثم؟ وهل أعتبر قد أديت زكاة مالي؟ أنا أحاول التحري، ولكن مثل هذا التزوير أصبح منتشرًا.
جــــ

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فما دام أن الرجل قد مات وعليه دين، فإنه إذا لم يترك في تركته سدادا لدينه يعتبر من الغارمين، ويجوز دفع الزكاة في سداد دينه على القول المفتى به عندنا، وهو أيضًا ما أفتت به اللجنة الدائمة، فقد سئلت عن رجل مات، وعليه دين، ولم يخلف مالا، فهل يجوز دفع الزكاة لوفاء دينه؟ فأجابت بقولها:
الأصل في الشريعة الإسلامية: أن من مات من أفراد المسلمين الملتزمين لتعاليم دينهم، وعليه دين لحقه في تعاطي أمور مباحة، ولم يترك له وفاء -أن يشرع قضاؤه عنه من بيت مال المسلمين؛ لما روى البخاري، ومسلم، وغيرهما -رحمهم الله- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني وأنا مولاه » فإذا لم يتيسر قضاؤه من بيت المال جاز أن يقضى دينه من الزكاة، إذا لم يكن الدافع هو المقتضي ، قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوى: ( وأما الدين الذي على الميت فيجوز أن يوفى من الزكاة في أحد قولي العلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد؛ لأن الله تعالى قال: {وَالْغَارِمِينَ}، ولم يقل: (وللغارمين) ، فالغارم لا يشترط تمليكه). وعلى هذا؛ يجوز الوفاء عنه، وأن يملك لوارثه ولغيره، ولكن الذي له الدين لا يعطى ليستوفي دينه. اهـ. وانظر الفتوى رقم: 9111، والفتوى رقم: 43744، وكلاهما عن حكم قضاء دين الميت من الزكاة.

وإذا دفعت زكاتك في دينه، ثم تبين أن الأوراق التي تثبت الدين مزورة، فإن هذا يدخل في حكم من دفع زكاته لمن ظنه من أهلها، فبان أنه ليس من أهلها، هل يجزئه أم لا؟ والأحوط: أن يعيد إخراجها.

جاء في الموسوعة الفقهية: الْخَطَأُ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ:

37 – إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا فَبَانَ خَطَؤُهُ؛ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الأْوَّل: يُجْزِئُهُ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الإْعَادَةُ، وَهُوَ قَوْل: أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ، وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَالِكٍ: إِذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ: السُّلْطَانُ، أَوِ الْوَصِيُّ، أَوْ مُقَدَّمُ الْقَاضِي، وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا …. وَالْقَوْل الآْخَرُ: لاَ يُجْزِئُهُ، وَهُوَ قَوْل: أَبِي يُوسُفَ، إِلاَّ أَنَّهُ قَال: لاَ يَسْتَرِدُّهُ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ أَيْضًا، إِذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ رَبُّ الْمَال، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الإْمَامُ …. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيَّنَ أَنَّهَا زَكَاةٌ لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ بَيَّنَ رَجَعَ فِي عَيْنِهَا فَإِنْ تَلِفَتْ فَفِي بَدَلِهَا….إلخ. اهــ. مختصرا.

وقال الشيخ/ ابن عثيمين -رحمه الله-: (وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه إذا دفعها إلى من يظن أنه أهل بعد التحري، فبان أنه غير أهل فإنها تجزئه؛ حتى في غير مسألة الغني؛ أي: عموما؛ لأنه اتقى الله ما استطاع؛ لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] والعبرة في العبادات بما في ظن المكلف؛ بخلاف المعاملات فالعبرة بما في نفس الأمر، ويصعب أن نقول له: إن زكاتك لم تقبل مع أنه اجتهد، والمجتهد إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران. وهذا القول أقرب إلى الصواب أنه إذا دفع إلى من يظنه أهلا مع الاجتهاد والتحري، فتبين أنه غير أهل، فزكاته مجزئة؛ لأنه لما ثبت أنها مجزئة إذا أعطاها لغني ظنه فقيرا، فيقاس عليه بقية الأصناف.) انتهى من الشرح الممتع.

والله تعالى أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك