هل يستحق القاتل المعسر أن يعطى من الزكاة لأداء الدية

هل يعطى القاتل عمداً من أموال الزكاة ؟ مع ذكر الدليل من الكتاب والسنة وأقوال السلف ورأي شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن باز والعلامة ابن عثيمين وهيئة كبار العلماء والمجمع الفقهي ؟ علماً...

هل يستحق القاتل المعسر أن يعطى من الزكاة لأداء الدية

س
هل يعطى القاتل عمداً من أموال الزكاة ؟ مع ذكر الدليل من الكتاب والسنة وأقوال السلف ورأي شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن باز والعلامة ابن عثيمين وهيئة كبار العلماء والمجمع الفقهي ؟ علماً أن السؤال عاجل جداً جدا لأنه يتعلق بإنقاذ حياة رجل مسلم مكث في السجن عشرين سنة بسبب عدم بلوغ أصغر وارث ثم تم العفو عنه من قبل الورثة مطالبين له بالدية الشرعية من قبل المحكمة الشرعية والتي تقدر بـ ( 120.000 ) ريال .
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد أجمع أهل العلم على أن دية القتل العمد تجب في مال القاتل، لا تحملها العاقلة، قال ابن قدامة رحمه الله في المغني بعد حكاية هذا الإجماع: (وهذا قضية الأصل، وهو أن بدل المتلف، يجب على المتلف، وأرش الجناية على الجاني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يجني جان إلا على نفسه. وقال لبعض أصحابه: حين رأى معه ولده: ابنك هذا؟ قال: نعم، قال :أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه. ولأن موجب الجناية أثر فعل الجاني، فيجب أن يختص بضررها، كما يختص بنفعها، فإنه لو كسب كان كسبه له دون غيره. وقد ثبت حكم ذلك في سائر الجنايات والأكساب، وإنما خولف هذا الأصل في القتل المعذور فيه، لكثرة الواجب، وعجز الجاني في الغالب عن تحمله، مع وجوب الكفارة عليه، وقيام عذره، تخفيفاً عنه، ورفقاً به، والعامد لا عذر له، فلا يستحق التخفيف، ولا يوجد فيه المعنى المقتضي للمواساة في الخطأ). انتهى

فإن كان للجاني مال أخذ منه قدر الدية، وإن ثبت إعساره أُنظر إلى ميسرة، وكان ذلك دينا في ذمته.

وحينئذ لا مانع من دفع الزكاة إليه باعتباره غارماً من الغارمين، والأصل في ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60].

وقوله تعالى: الغَارِمِينَ شامل بعمومه من لزمه الغرم وهو الدين، سواء استدانه لمصلحة نفسه أو استدانه لغيره، إلا أن كثيراً من الفقهاء قيدوا ذلك بكون الدين لم يؤخذ في معصية لئلا يصبح ذلك ذريعة لإنفاق المال في الحرام اعتمادا على سداده في الزكاة.

ومحل هذا ما لم يتب من معصيته، فإن تاب أعطي من الزكاة لأن التوبة تجب ما قبلها على ما صرح به جمع من أهل العلم.

قال في مغني المحتاج: (مثل من لزمه الدين بإتلاف مال الغير عدوانا فلا يعطى (قلت:الأصح يعطى) مع الفقر(إذا تاب) عنها (والله أعلم) لأن التوبة قطعت حكم ما قبلها، فصار النظر إلى حال وجودها كالمسافر لمعصيته إذا تاب فإنه يعطى من سهم ابن السبيل).

على أن إلحاق مسألة القاتل هنا بمن استدان في معصية محل نظر، إذ يبعد أن يقدم أحد على القتل العمد اتكالا على توفية الدين من الزكاة، لما في القتل العمد من تعريض النفس للقتل قصاصاً.

وما اعتمدناه من جواز دفع الزكاة لهذا القاتل في حال إعساره قد صرح به جماعة من أهل العلم، قال ابن حزم -رحمه الله- في المحلى: (وهي في الخطأ على عاقلة القاتل، وأما في العمد فهي في مال القاتل وحده…. فمن لم يكن له مال ولا عاقلة، فهي في سهم الغارمين في الصدقات، وكذلك من لم يعرف قاتله .

وقال أيضاً في حديث عبد الله بن سهل أن الرسول صلى الله عليه وسلم: وَدَاهُ مائة ناقة : (ثم إن كان قاتل عبد الله قتله خطأ، فالدية على عاقلته، وإن كان قتله عمدا فالدية في ماله. فهو غارم أو عاقلته، وحق الغارمين في الصدقات بنص القرآن، قال الله عز وجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60]) وقال أيضاً: (وفي العمد يكون القاتل إذا قبلت منه الدية غارماً من الغارمين، فحظهم في سهم الغارمين واجب، أو في كل مال موقوف لجميع مصالح أمور المسلمين). انتهى. من المحلى 10/282-284، المسألة (2028).

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله في فتاويه(11/32) : (ما دام القتل عمداً فالدية تكون في مال القاتل حالة، وحيث ثبت إعساره فقد وجب على مستحقيها إنظاره إلى ميسرة، لقوله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة :280].
وقال فيمن بقي عليه بعض الدية وثبت إعساره: (إلا أنه يستحق أن يدفع له من الزكاة ما بقي بدينه لأنه من الغارمين الذين هم أحد أصناف مصارف الزكاة).
وقال الشيخ عبد الله البسام في كتابه توضيح الأحكام من بلوغ المرام(5/235): (أما الدية في قتل العمد فتجب في مال الجاني، وتكون ضمن الديون التي في ذمته، فإن كان موسرا لزمه الوفاء، وإن كان معسرا فنظرة إلى ميسرة، ويسوغ أن يدفع له من الزكاة ليوفي به هذه الدين لأنه من الغارمين، وإن مات فعلى ولي الأمر قضاء دينه من بيت مال المسلمين). انتهى.
ولم نقف على فتاوى في هذه المسألة للعلماء الذين ذكرهم السائل.
والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك