هل يترك الإمام قراءة آية السجدة تأليفا لقلوب المأمومين

حكم تعمد ترك سجود التلاوة في الصلوات المفروضة، لأني أصلي إماما بقرية يتبعون الفقه المالكي الذي يقول بكراهة هذا السجود في المكتوبات رغم أني مقتنع بأن الآثار الواردة لدينا عن النبي صلى الله عليه...

هل يترك الإمام قراءة آية السجدة تأليفا لقلوب المأمومين

س
حكم تعمد ترك سجود التلاوة في الصلوات المفروضة، لأني أصلي إماما بقرية يتبعون الفقه المالكي الذي يقول بكراهة هذا السجود في المكتوبات رغم أني مقتنع بأن الآثار الواردة لدينا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقول بالكراهة بل تؤكد سنيته. فهل لي أن أتركه لدرء الفتنة التي ستحصل من جرائه خاصة وأن اتباع المذهب المالكي مفروض من طرف السلطات وليس اختياريا؟ وهل هناك من علماء المالكية من يجوزه؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فاعلم أولاً أن مذهب المالكية هو كراهة تعمد قراءة آية السجدة في الصلاة المفروضة، لكنه إذا قرأها فإنه يسجد، كما نص على ذلك خليل في مختصره.

قال في مواهب الجليل: ش: وقال الشيخ زروق في شرح الإرشاد فإذا قرأ سورتها استحب له ترك قراءة السجدة نفسها فإن قرأها سجد وأعلن بها في السر. انتهى.

وأصله اللخمي في تبصرته ص: وإن قرأ في فرض سجد. انتهى.

واعلم أيضاً أن سجود التلاوة سنة غير واجب في قول الجمهور خلافاً لأبي حنيفه رحمه الله، وقول الجمهور هو الصواب، ففي الصحيح: أن عمر رضي الله عنه قرأ النحل على المنبر ثم سجد وسجد الناس، وقرأها في الجمعة التالية فتهيأ الناس للسجود فقال رضي الله عنه: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء. وقد قاله بمحضر من الصحابة ولم ينكره منهم أحد، وفي الحديث المتفق عليه عن زيد بن ثابت قال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم فلم يسجد.

وعليه فمن قرأ آية السجدة في صلاة أو في غيرها ولم يسجد فليس عليه حرج.

قال ابن عبد البر في التمهيد بعدما ذكر طرفاً من الأدلة الدالة على عدم وجوب سجودة التلاوة: وقال الأثرم سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن الرجل يقرأ السجدة في الصلاة فلا يسجد، فقال: جائز أن لا يسجد وإن كنا نستحب أن يسجد فإن شاء سجد واحتج بحديث عمر: ليست علينا إلا أن نشاء. قيل له فإن هؤلاء يشددون يعني أصحاب أبي حنيفة فنفض يده وأنكر ذلك. انتهى.

فإذا ترك الإمام قراءة آية السجدة في الفريضة خشية وقوع فتنة وحصول شر لكون المأمومين يخالفونه فلا حرج في ذلك بل قد يكون هذا هو الأولى والأفضل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ترك هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم درءاً للمفسدة ودفعاً للشر لحدثان عهد أهل مكة بالإسلام، وقد نص على هذا شيخ الإسلام رحمه الله، وأن الإمام لو ترك ما يعتقد استحبابه مراعاة لحل المأمومين كان محسناً بذلك.

قال رحمه الله: ولو كان الإمام يرى استحباب شيء والمأمومون لا يستحبونه فتركه لأجل الاتفاق والائتلاف كان قد أحسن. انتهى.

ثم اعلم أن الرواية عن مالك نفسه مختلفة في هذه المسألة، فروى عنه ابن القاسم كراهة قراءة آية السجدة في الفريضة، وروى عنه ابن وهب أنه لا باس بذلك، وفصل ابن حبيب فقال يكره في السرية ولا يكره في الجهرية.

قال أبو الوليد الباجي في شرحه للموطأ: وكره مالك للإمام أن يقرأ بالسجدة في فريضة رواه عنه ابن القاسم قال عن أشهب إلا أن يكون من وراءه عدد قليل لا يخاف أن يخلط عليهم، وروى عنه ابن وهب لا بأس أن يقرأم الإمام بالسجدة في فريضة، وقد قال ابن حبيب لا يقرأ الإمام بالسجدة فيما يسر فيه. وجه رواية ابن القاسم وأشهب ما احتجا به من أنه يخلط على من خلفه لأنه أمر غير معتاد في الصلاة، وجه رواية ابن وهب فعل عمر بن الخطاب لذلك بحضرة الصحابة فلم ينكره عليه منكر، ووجه قول ابن حبيب أن التخليط إنما يحصل عند الإسرار بالقراءة وأما مع الجهر فأكثر من وراءه يعلم بموضع السجدة فيتأهب لها ولا ينكر السجود فيها. انتهى.

وصحح ابن بشير من المالكية جواز قراءة آية السجدة في الفريضة، وذكر أنه فعل خيار أشياخه.

قال في التاج والإكليل: (وتعمدها بفريضة) من المدونة قال ابن القاسم أكره للإمام أن يتعمد في الفريضة قراءة سورة فيها سجدة لأنه يخلط على الناس صلاتهم، وأكره أن يتعمدها الفذ في الفريضة وهو الذي رأيت مالكاً يذهب إليه. ابن بشير الصحيح الجواز لمداومته صلى الله عليه وسلم على ألم في الصبح وعلى ذلك كان يواظب الخيار من أشياخي وأشياخهم. انتهى.

فإن أمكنك أن تبين للمأمومين عدم كراهة قراءة آية السجدة في الفريضة وتذكر لهم أنه مروى عن مالك واختيار بعض المالكية فحسن، وإلا فاترك قراءة آية السجدة في الفريضة حرصاً على تأليف قلوبهم ودفعاً للمفسدة ريثما يتسنى لك بيان السنة لهم.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك