من حضر إلى المسجد ثم طرأت عليه حاجة، فهل له حجز مكانه لحين عودته؟

ذكرتم في الفتوى رقم: 96918 الخلاف في مسألة حجز المكان، وأن الأفضل الابتعاد عنه، خروجًا من الخلاف، فماذا ترجحون؟ وعلى القول بالمنع، فهل يحق لي إذا جئت وقعدت في المكان، ثم قمت لقضاء الحاجة،...

من حضر إلى المسجد ثم طرأت عليه حاجة، فهل له حجز مكانه لحين عودته؟

س
ذكرتم في الفتوى رقم: 96918 الخلاف في مسألة حجز المكان، وأن الأفضل الابتعاد عنه، خروجًا من الخلاف، فماذا ترجحون؟ وعلى القول بالمنع، فهل يحق لي إذا جئت وقعدت في المكان، ثم قمت لقضاء الحاجة، وتجديد الوضوء، والإتيان بالطعام من محل بجوار المسجد، ثم الرجوع، والأكل في المسجد، فهل يحق لي أن أحجز مكاني بشيء، كسجادة، حتى أعود؛ حتى لا أضطر لإقامة أحد؛ فإن ذلك متعذر، وفي الغالب غير ممكن أصلًا. وإذا تأخرت عشر دقائق لأحضر جدتي بالسيارة للمسجد؛ لأنها لا تستطيع الإتيان بمفردها، فهل يحق لي الحجز أيضًا في هذه الحالة -جزاكم الله خيرًا-؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالقول الراجح في المسألة التي سألت عنها، هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية, وهو خاص بمن يحتجز مكانًا في المسجد مع عدم حضوره، حيث قال في مجموع الفتاوى: سئل عمن تحجر موضعًا من المسجد، بسجادة، أو بساط، أو غير ذلك، هل هو حرام؟ وإذا صلى إنسان على شيء من ذلك بغير إذن مالكه هل يكره أم لا؟

أجاب: ليس لأحد أن يتحجر من المسجد شيئًا، لا سجادة يفرشها قبل حضوره، ولا بساطًا، ولا غير ذلك، وليس لغيره أن يصلي عليها بغير إذنه؛ لكن يرفعها، ويصلي مكانها؛ في أصح قولي العلماء. والله أعلم.

وقال أيضًا: ليس لأحد أن يفرش شيئًا، ويختص به مع غيبته، ويمنع به غيره، هذا غصب لتلك البقعة، ومنع للمسلمين مما أمر الله تعالى به من الصلاة، والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه، وأما من يتقدم بسجادة، فهو ظالم، ينهى عنه، ويجب رفع تلك السجاجيد، ويمكن الناس من مكانها. اهـ.

وهذا القول هو الذى رجحه الشيخ ابن عثيمين، حيث قال في الشرح الممتع: ولكن الصحيح في هذه المسألة، أن الحجز، والخروج من المسجد، لا يجوز، وأن للإنسان أن يرفع المُصَلَّى المفروش؛ لأن القاعدة: (ما كان وضعه بغير حق، فرفعه حق)، لكن لو خيفت المفسدة برفعه من عداوة، أو بغضاء، أو ما أشبه ذلك، فلا يرفع؛ لأن درء المفاسد، أولى من جلب المصالح. انتهى.

قال أيضًا: مسألة: يستثنى من القول الراجح من تحريم وضع المُصَلَّى؛ ما إذا كان الإنسان في المسجد، فله أن يضع مصلى بالصف الأول، أو أي شيء يدل على الحجز، ثم يذهب في أطراف المسجد لينام، أو لأجل أن يقرأ قرآنًا، أو يراجع كتابًا، فهنا له الحق؛ لأنه ما زال في المسجد، لكن إذا اتصلت الصفوف، لزمه الرجوع إلى مكانه؛ لئلا يتخطى رقاب الناس. انتهى.

أما من حضر إلى المسجد, ثم طرأت عليه حاجة تقتضى الخروج, كالإتيان بطعام, أو إحضار والدته للمسجد, أو نحو ذلك, فيجوز له احتجاز مكان في المسجد, ويكون أحق به إذا رجع, وبعض أهل العلم قيد استحقاق ذلك المكان بالرجوع عن قرب, وهذا القرب محدد بما تعارف عليه الناس، جاء في المغني لابن قدامة: إذا جلس في مكان، ثم بدت له حاجة، أو احتاج إلى الوضوء، فله الخروج. «قال عقبة: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى حجر بعض نسائه، فقال: ذكرت شيئًا من تِبر عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته» رواه البخاري. فإذا قام من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحق به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحق به». انتهى.

وفي الشرح الممتع للشيخ ابن عثيمين : فإذا حجز الإنسان المكان، وخرج من المسجد لعارض لحقه، ثم عاد إليه، فهو أحق به، والعارض الذي يلحقه مثل أن يحتاج للوضوء، أو أصيب بأي شيء اضطره إلى الخروج، فإنه يخرج، وإذا عاد فهو أحق به. ولكن المؤلف اشترط فقال: «ثم عاد إليه قريبًا» ولم يحدد القرب؛ وكل شيء أتى ولم يحدد، يرجع فيه إلى العرف كما قال الناظم:

وكل ما أتى ولم يحدد … بالشرع كالحرز، فبالعرف احدد.

وظاهر كلام المؤلف أنه لو تأخر طويلًا، فليس أحق به، فلغيره أن يجلس فيه. وقال بعض العلماء: بل هو أحق، ولو عاد بعد مدة طويلة إذا كان العذر باقيًا، وهذا القول أصح؛ لأن استمرار العذر كابتدائه، فإنه إذا جاز أن يخرج من المسجد، ويُبقي المُصَلَّى إذا حصل له عذر، فكذلك إذا استمر به العذر، لكن من المعلوم أنه لو أقيمت الصلاة، ولم يزل غائبًا فإنه يرفع. انتهى.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك