من التقط لقطة بنية التملك ووهبها لبنته وانتفعت بها مدة طويلة

عند ما كنت صغيرة، وجد والدي أقراطا ذهبية في السوق، فأخذها وأهداها لي، وأنا طبعا كأي طفلة صغيرة فرحت بها، ولبستها. مرت تقريبا عشر سنوات ولا زلت ألبسها، نسيت المسألة، وأجهل ما يتوجب علي...

من التقط لقطة بنية التملك ووهبها لبنته وانتفعت بها مدة طويلة

س
عند ما كنت صغيرة، وجد والدي أقراطا ذهبية في السوق، فأخذها وأهداها لي، وأنا طبعا كأي طفلة صغيرة فرحت بها، ولبستها. مرت تقريبا عشر سنوات ولا زلت ألبسها، نسيت المسألة، وأجهل ما يتوجب علي فعله، علما أني حديثة عهد بتوبة، وبطلب علم الشرع. فما يجب علي فعله لأبرئ ذمتي وذمة أبي؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله تعالى أن يتم عليك نعمته، وأن يوفقك للاستقامة على التوبة، وطلب العلم النافع.

وأما جواب ما سألت عنه، فالظاهر مما ذكرتِ أن والدك ـ غفر الله له وعفا عنه ـ قد أخذ هذه الأقراط بنيَّة التملك والانتفاع، لا لتعريفها والبحث عن مالكها. فإن كان كذلك، فقد ارتكب إثما ـ غفر الله له ـ ووجب ضمانها لمالكها على أية حال، ولا يحل أن تُمتَلك بعد ذلك وإن عُرِّفت سنة كاملة.

قال ابن قدامة: إذا التقط لقطة عازما على تملكها بغير تعريف، فقد فعل محرما، ولا يحل له أخذها بهذه النية، فإذا أخذها لزمه ضمانها، سواء تلفت بتفريط أو بغير تفريط، ولا يملكها وإن عرفها؛ لأنه أخذ مال غيره على وجه لا يجوز له أخذه، فأشبه الغاصب .اهـ.

وقال النووي في (منهاج الطالبين): إن أخذ بقصد الخيانة فضامن، وليس له بعده أن يعرف ويتملك. اهـ.

قال الخطيب الشربيني في شرحه (مغني المحتاج): متى صار الملتقط ضامنا في الدوام بحقيقة الخيانة أو بقصدها، ثم أقلع وأراد أن يعرفها ويتملك، كان له ذلك على الأصح، في أصل الروضة، وبه جزم القاضي الحسين، وهذا بخلاف ما إذا قصد الخيانة ابتداء؛ كما قال (وإن أخذ بقصد الخيانة فضامن) عملا بقصده المقارن لفعله (وليس له بعده) أي الأخذ خيانة (أن يعرف ويتملك) بعد التعريف (على المذهب) نظرا للابتداء كالغاصب. اهـ.

وقد سبق لنا بيان مذاهب أهل العلم في المال الملتقط إذا مرت عليه سنة دون أن يعرفه الملتقط، وأنه إن غلب على الظن أن صاحبه لا يطلبه لطول المدة، فإنه يُتصدَّق به عن صاحبه، وراجعي في ذلك الفتويين: 156613، 128643.

وأمر آخر لا بد من التنبيه عليه، وهو أن المنفعة مال متقوم، فيضمن بالغصب كسائر الأموال، فكل ما له أجرة بالعادة فإنها تضمن بالغصب، على الراجح من أقوال أهل العلم، وراجعي في ذلك الفتويين: 48561، 107416.

وإذا كان المغصوب معدا للاستغلال واستغل، فضمان الغاصب لمنافعه قد اتفقت عليه المذاهب الأربعة. وإذا لم يستغل ـ وهو معد للاستغلال ـ فالجمهور على ضمان منافعه، وراجعي في تفصيل ذلك الفتوى رقم: 104066.

وقال النووي في (منهاج الطالبين): تضمن منفعة الدار والعبد ونحوهما بالتفويت، والفوات في يد عادية. اهـ.

والتفويت يعني الاستعمال، كما قال الرملي وابن حجر الهيتمي في شرحهما.

وقال الشربيني في (مغني المحتاج): (وتضمن) بأجرة المثل (منفعة الدار والعبد ونحوهما) من كل ما له منفعة يستأجر عليها، كالكتاب، والدابة، والمسك (بالتفويت) كأن يطالع في الكتاب، أو يركب الدابة، أو يشم المسك. اهـ.

وعلى ذلك فاستعمال الأقراط على وجه التعدي يوجب ضمانها، وأجرة مثلها في هذه المدة.

وأما كون الوالد قد وهب هذه الأقراط للسائلة وهي صغيرة، فهذا لا يغير الحكم.

قال ابن قدامة في (المغني): إن وهب المغصوب لعالم بالغصب، استقر الضمان على المتهب، فمهما غرم من قيمة العين أو أجزائها، لم يرجع به على أحد؛ لأن التلف حصل في يديه، ولم يغره أحد، وكذلك أجر مدة مقامه في يديه، وأرش نقصه إن حصل. وإن لم يعلم، فلصاحبها تضمين أيهما شاء، فإن ضمن المتهب، رجع على الواهب بقيمة العين والأجزاء؛ لأنه غره. وقال أبو حنيفة: أيهما ضمن لم يرجع على الآخر. اهـ.

وقال ابن رجب في (القواعد): من قبض مغصوبا من غاصبه ولم يعلم أنه مغصوب، فالمشهور عن الأصحاب أنه بمنزلة الغاصب في جواز تضمينه ما كان الغاصب يضمنه من عين ومنفعة … وهذه الأيدي القابضة من الغاصب مع عدم العلم بالحال عشرة: … ـ فذكر ثمانية ثم قال: (اليد التاسعة) القابضة تملكا لا بعوض، إما للعين بمنافعها: بالهبة والوقف والصدقة والوصية. أو للمنفعة: كالموصى له بالمنافع. فالمشهور أنها ترجع بما ضمنته بكل حال. اهـ.

وعلى ذلك، فإن كانت الأخت السائلة تريد أن تبرئ ذمتها وذمة أبيها ـ رحمه الله ـ بعد هذه المدة الطويلة التي يتعذر معها البحث عن مالك هذه الأقراط، فعليها أن تتصدق بها عن مالكها، وأن تقدر أجرة الانتفاع بها طيلة هذه المدة، فتتصدق بها هي الأخرى عن مالك الأقراط. فإن عجزت عن ذلك اجتهدت في التصدق بما تستطيع مع الإكثار من الاستغفار لها ولأبيها.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك