من أحكام المضاربة وحكم الأجرة على الضمان

كان لي زميل بالمدرسة حسن الخلق -على ما نرى-، ويتاجر في الأدوية منذ سنوات، فأردت أن أدخل معه في التجارة، فأعطيته مالي، ولما عرف بعض أصحابي بأني دخلت معه في التجارة أرادوا أن يدخلوا...

من أحكام المضاربة وحكم الأجرة على الضمان

س
كان لي زميل بالمدرسة حسن الخلق -على ما نرى-، ويتاجر في الأدوية منذ سنوات، فأردت أن أدخل معه في التجارة، فأعطيته مالي، ولما عرف بعض أصحابي بأني دخلت معه في التجارة أرادوا أن يدخلوا معي في تلك التجارة، وقلت لهم: إن هذا الرجل حسن السلوك، وأنا أضمن لكم المال إذا أردتموه في أي وقت. ودخلوا التجارة على مبدأ الثقة في أنا، ودخلت أنا على مبدأ الثقة في زميلي. وكنت آخذ من مكسبهم نسبة من المال على معرفتهم بذلك في مقابل أنهم لا يعرفونه وضمان المال؛ فآخذ نسبة من الربح على المكسب بمقدار جنيه أو اثنين على كل ألف جنيه، وظللنا على ذلك شهرًا ونصف شهر، ثم حدث ما لم يكن في الحسبان: أن هذا الزميل التاجر قال لنا أنه تم النصب عليه. مع العلم بأنه قال إنه يتاجر ويدير بنفسه، وليس معه شركاء. وبعد ذلك سلم نفسه للشرطة ولم نأخذ شيئًا، فقام هؤلاء الأصحاب بمطالبتي بمالهم مع أني فقدت مالي أنا أيضًا ولم آخذ شيئًا، وهم يعرفون جيدًا أني لم آخذ هذا المال، وإنما أعطيته لشخص يتاجر لنا فيه على أن آخذ نسبة من الربح، فهم يطالبونني بشدة مع أني خسرت مالي كله، فهل لهم حق في مطالبتي بهذا المال أم ماذا؟ أرجو سرعة الإفادة بالتفصيل؛ لأني سأنقل لهم رأي سيادتكم، وجزاكم الله خيرًا.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا يصح ضمان رأس مال المضاربة؛ لأن العامل فيها أمين على ما في يده من مال المضاربة، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ولذلك لا يصح في المضاربة اشتراط ضمان رأس المال، كما سبق بيانه في الفتوى رقم: 116002، وإحالاتها.

وفي المغني لابن قدامة: “فأما الأمانات؛ كالوديعة، والعين المؤجرة، والشركة، والمضاربة، والعين التي يدفعها إلى القصار والخياط: فهذه إن ضمنها من غير تعد فيها لم يصح ضمانها؛ لأنها غير مضمونة على من هي في يده، فكذلك على ضامنه، وإن ضمنها إن تعدى فيها فظاهر كلام أحمد -رحمه الله- يدل على صحة الضمان؛ فإنه قال في رواية الأثرم في رجل يتقبل من الناس الثياب فقال له رجل: ادفع إليه ثيابك وأنا ضامن. فقال له: هو ضامن لما دفعه إليه. يعني: إذا تعدى أو تلف بفعله، فعلى هذا إن تلف بغير تفريط منه ولا فعله لم يلزم الضامن شيء؛ لما ذكرنا، وإن تلف بفعله أو تفريط لزمه ضمانها ولزم ضامنه ذلك؛ لأنها مضمونة على من هي في يده، فلزم ضامنه، كالغصوب والعواري”.

وعلى ذلك؛ فإن كان زميلك لم يتعد ولم يفرط فإنه لا يلزمه شيء، ومن ثم لا يلزمك شيء أيضًا؛ لأن أموال أصحابك غير مضمونة عليه، فكذلك لا تكون مضمونة عليك، واشتراط الضمان في هذه الحالة باطل.

أما إن كان زميلك قد أهمل أو تعدى فحينئذ يصح الضمان، ومن ثم يحق لأصحابك المطالبة بمالهم. وقد اختلف العلماء في مدى أحقية مطالبة صاحب الحق للضامن؛ هل هي على إطلاقها أم عند تعذر مطالبة المضمون عنه؟ قال ابن قدامة في المغني: “ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما. وحكي عن مالك في إحدى الروايتين عنه أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه؛ لأنه وثيقة، فلا يستوفي الحق منها إلا عند تعذر استيفائه من الأصل كالرهن.

ولنا: أن الحق ثابت في ذمة الضامن، فملك مطالبته كالأصيل، ولأن الحق ثابت في ذمتهما فملك مطالبة من شاء منهما كالضامنين إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه، ولا يشبه الرهن؛ لأنه مال من عليه الحق وليس بذي ذمة يطالب، إنما من عليه الدين ليقضى منه أو من غيره”.

وقال ابن عثيمين -رحمه الله-: “القول الثاني: أنه لا يملك مطالبة الضامن إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه بموت، أو غيبة، أو مماطلة، أو فقر، فإذا تعذرت مطالبة المضمون عنه فله أن يطالب الضامن.

وحجة هؤلاء: أنه لا يرجع للفرع مع تمكن الاستيفاء من الأصل، فإذا أمكن الرجوع إلى الأصل فإنه يستغنى به عن الفرع، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي -رحمه الله-، وعمل الناس اليوم على هذا القول” (الشرح الممتع).

فعلى القول الأول؛ يحق لأصحابك مطالبتك كما يحق لهم مطالبة زميلك.

أما على القول الثاني؛ فليس لهم أن يطالبوك إلا عند تعذر مطالبتهم لزميلك.

وننبه إلى أنه لا يجوز أخذ مقابل على الضمان، ولو كان الضمان صحيحًا. وانظر الفتوى رقم: 57099.

وعلى ذلك؛ فيلزمك أن ترد إلى أصحابك ما أخذته من مكسبهم مقابل الضمان.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك