مذاهب العلماء وأدلتهم في حكم الدم

ما الحكم الراجح في الدم: هل هو طاهر أم نجس؟...

مذاهب العلماء وأدلتهم في حكم الدم

س
ما الحكم الراجح في الدم: هل هو طاهر أم نجس؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الدم ينقسم إلى أقسام، اتفق العلماء على حكم بعضها، واختلفوا في حكم البعض الآخر.

فالدم المسفوح عند المالكية نجس، سواء كان من سمك، أم آدمي، أم غيرهما، مع العفو عن يسيره، ولو خرج من السبيلين، ودليلهم على نجاسته، عموم قوله تعالى: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا {الأنعام:145}، وحديث أسماء المتفق عليه، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: إِحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: “تَحُتّهُ، ثُمّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمّ تَنْضِحُهُ، ثُمّ تُصَلّي فِيهِ”. ولا فرق بين دم الحيض، وغيره.

ودليل العفو عن اليسير من الدماء عندهم، هو رفع الحرج، والإصر الكائن في التحرز من قليل الدم، وقد قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ {الحج:78}.

وما تبقى في عروق المذكاة، أو عظامها من الدم، فهو طاهر؛ لقول عائشة -رضي الله عنها-: كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعلوها الصفرة من الدم، فنأكل، ولا ننكره. هكذا أورد القرطبي هذا الأثر. وقد أخرجه الطبري في تفسيره من طريقين عن القاسم، عن عائشة بنحوه، وليس فيه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما الدم المصبوب في جوف الذبيحة، مما ليس في عروقها، فألحقوه بالدم المسفوح، كما ألحقوا دم القلب بدم العروق، على المشهور في هذين الأخيرين، هذا هو حكم الدم عند المالكية، وهو قريب من مذهب الأحناف، إلا أن الأحناف يقولون بطهارة دم البراغيث، والبق، ونحوهما، مما ليست له نفس سائلة.

– أما الحنابلة: فالدم عندهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

-طاهر.

– نجس لا يعفى عن شيء منه.

– نجس يعفى عن يسيره.

فالطاهر هو: دم البعوض، والذباب، ونحو ذلك مما لا يسيل، ودم عروق المذكاة، ودم الشهيد، الذي لم ينفصل عنه؛ لأمره صلى الله عليه وسلم بدفن الشهداء في دمائهم. أخرجه البخاري عن جابر -رضي الله عنه-.

والدم النجس الذي لا يعفى عن شيء منه، هو: كل دم خرج من حيوان نجس، أو خرج من السبيلين من الآدمي، فلو أصاب الإنسان منه قدر رأس إبرة، لزمه غسله.

وأما الدم الذي يعفى عن يسيره، فهو: دم الآدمي، أو غيره من الحيوانات الطاهرة، هذا هو مشهور المذهب.

أما الشافعية: فإن الدم المسفوح عندهم نجس، سواء كان من آدمي، أم من غيره، إلا أنه يعفى عندهم عن يسيره، كما يعفى عن دم الجروح، ولو كان كثيرًا؛ شريطة أن يكون من الإنسان نفسه، وأن لا يكون بفعله، وتعمده، وأن لا يتجاوز محله المعتاد وصوله إليه.

ويعفى أيضًا عندهم عن دم البراغيث، والقمل، ونحوهما، مما ليست له نفس سائلة، فيعفى عنه في الثوب، والبدن؛ لعسر التحرز منه عادة، هذا هو ملخص مذاهب الأئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى- في الدم.

فقد اتفقوا في الجملة على نجاسة الدم المسفوح.

كما اتفقوا على العفو عما يصعب التحرز منه من الدماء، إلا ما تقدم عن الحنابلة من عدم العفو عن أي شيء مما خرج من سبيلي الآدمي، أو من الحيوان النجس.

وذهب بعض أهل العلم إلى طهارة دم الآدمي غير الخارج من السبيلين؛ لعدة أمور، منها:

أولًا: أن الأصل في الأشياء الطهارة؛ حتى يقوم دليل النجاسة، ولا نعلم أنه صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الدم، إلا دم الحيض، مع كثرة ما يصيب الإنسان من جروح، ورعاف، وحجامة، وغير ذلك، ولو كان نجسًا؛ لبيّن ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لدعاء الحاجة إلى بيانه.

ثانيًا: أن المسلمين ما زالوا يصلون في جراحاتهم في القتال، وقد يسيل منهم الدم الكثير، ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم بغسله، ولم يرد أنهم كانوا يتحرزون منه تحرزهم من النجاسات.

ثالثًا: أن ميتة الآدمي طاهرة، وأجزاؤها طاهرة، فلو قطعت يده، لكانت طاهرة، مع أنها تحمل دمًا، وربما كان كثيرًا، وإذا كانت ميتة الآدمي طاهرة، أو جزؤه الذي هو ركن في بنيته، فإن الدم من باب أولى.

والدليل على طهارة ميتة الآدمي: قوله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن لا ينجس. متفق عليه.

وأما قياسه على دم الحيض، فإنه لا يتم؛ لما بينهما من الفروق.

والراجح قول الجمهور القائلين بنجاسة الدم؛ للأدلة التي ذكرناها في بداية جوابنا.

ومن أراد المزيد في هذا البحث، فليرجع إلى: “الشرح الممتع على زاد المستقنع” لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العيثمين -رحمه الله-، وغيره من كتب الفقه التي تناولت المسألة بالتفصيل.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك