مذاهب العلماء فيمن وجد لقطة ولم يعرفها حتى انقضى الحول

وجد أخي منشفة في أمتعته بعدما عاد من رحلة مدرسية مع طلاب صفه, وكان هو الآخر قد فقد أخرى, وقد مضى على هذه الحادثة فترة من الزمن, ولم يأمره أحد بالبحث عن صاحبها, أو...

مذاهب العلماء فيمن وجد لقطة ولم يعرفها حتى انقضى الحول

س
وجد أخي منشفة في أمتعته بعدما عاد من رحلة مدرسية مع طلاب صفه, وكان هو الآخر قد فقد أخرى, وقد مضى على هذه الحادثة فترة من الزمن, ولم يأمره أحد بالبحث عن صاحبها, أو السؤال عنه, ولم يسأل أحدٌ عنها من طلاب صفه, وأنا أستعملها أحيانًا عندما أضطر لذلك, فهل أنا آثم؟ وماذا يجب عليّ فعله؟ خاصة أني إن تكلمت لأهلي عنها فإنهم سيضحكون مني.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا تخلو المنشفة من حالين:

1- أن تكون زهيدة الثمن، بحيث لا تتعلق بها همم أوساط الخلق، فلا يجب تعريفها، ويجوز تملكها، والانتفاع بها، وراجع الفتويين: 46279، 122175.

2- أن تكون قيمتها كبيرة بحيث تتبعها نفس صاحبها، فعلى أخيك تعريفها سنة، فإن فعل فلم يأت صاحبها، جاز له تملكها, فإذا لم يعرفها عامدًا عالمًا بحكم التعريف فقد أثم، ولا يحق له تملكها، وراجع الفتاوى: 115905، 28350، 114140.

فإن لم يعرفها، حتى انقضى الحول، فهل يعرفها بعدُ أم لا؟

اختلف العلماء على قولين؛ قال الجويني الشافعي في نهاية المطلب: ولو أخر التعريف، فقد ذكرنا فيه أنه هل يكون بتأخيره ضامنًا؟ فعلى وجهين, فلو تمادى التأخير، وأمكن أن يقال: نُسيت اللقطة في طول هذا الزمان، فهل يقع التعريف بعد ذلك – والحالة كما وصفناها -؟ فعلى وجهين, والاحتمال فيهما ظاهر، وتوجيههما بيّن, ومن يصير إلى التعريف يقول: حق المعرّف أن يؤرخ وجدان اللقطة في تعريفه، ويسنده إلى الوقت الذي اتفق فيه، حتى يكون ذلك في معارضة ما جرى من التأخير المُنسي.

وقال ابن قدامة في المغني: فَصْلٌ: إذَا أَخَّرَ التَّعْرِيفَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، مَعَ إمْكَانِهِ أَثِمَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ فِيهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ, وَقَالَ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ: «لَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ», وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى أَنْ لَا يَعْرِفَهَا صَاحِبُهَا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْحَوْلِ يَيْأَسُ مِنْهَا، وَيَسْلُو عَنْهَا، وَيَتْرُكُ طَلَبِهَا, وَيَسْقُطُ التَّعْرِيفُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ التَّعْرِيفِ لَا تَحْصُلُ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ تَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، عَرَّفَ بَقِيَّتَهُ, وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَسْقُطَ التَّعْرِيفُ بِتَأَخُّرِهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، فَلَا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ، كَالْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ, وَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْقُصُورِ، فَيَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَعَلَى هَذَا إنْ أَخَّرَ التَّعْرِيفَ بَعْضَ الْحَوْلِ، أَتَى بِالتَّعْرِيفِ فِي بَقِيَّتِهِ، وَأَتَمَّهُ مِنْ الْحَوْلِ الثَّانِي, وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، لَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ فِيمَا عَدَا الْحَوْلَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمِلْكِ التَّعْرِيفُ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُوجَدْ, وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا أَوْ يَحْبِسَهَا عِنْدَهُ أَبَدًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ, وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ دَفْعُهَا إلَى الْحَاكِمِ، كَقَوْلِنَا فِيمَا إذَا الْتَقَطَ مَا لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ, وَلَوْ تَرَكَ التَّعْرِيفَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَمْلِكْهَا أَيْضًا بِالتَّعْرِيفِ فِيمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَكْمُلْ، وَعَدَمُ بَعْضِ الشَّرْطِ كَعَدَمِ جَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ أَخَلَّ بِبَعْضِ الطَّهَارَةِ، أَوْ بِبَعْضِ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ.

فَصْلٌ: وَإِنْ تَرَكَ التَّعْرِيفَ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِعَجْزِهِ عَنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِمَرَضٍ, أَوْ حَبْسٍ, أَوْ نِسْيَانٍ, وَنَحْوِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا لَوْ تَرَكَهُ مَعَ إمْكَانِهِ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَهُ فِي الْحَوْلِ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، سَوَاءٌ انْتَفَى لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ, وَالثَّانِي، أَنَّهُ يُعَرِّفُهُ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي، وَيَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ التَّعْرِيفَ عَنْ وَقْتِ إمْكَانِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَرَّفَهُ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ.” انتهى.

وعُلِم من تعليل من منعَ التعريف في الحول الثاني باليأس من صاحبها، أنه إذا غلب على الظن أن صاحبها يصل إليها عرفها، وهذا ظاهر في سؤالك؛ لأن مجال التعريف – طلاب محصورون – مما يسهل الوصول لصاحبها، وعليه؛ فيجب التعريف.

تنبيه: إذا دلت القرائن على أن طالبًا سرق منشفة أخيك، وترك هذه المنشفة، جاز أخذها بلا تعريف؛ قال المرداوي في الإنصاف: لَوْ أَخَذَ مَتَاعَهُ، أَوْ ثَوْبَهُ، وَتَرَكَ لَهُ بَدَلَهُ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لُقَطَةٌ, نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَابْنِ بُخْتَانَ, وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ, وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ الْحَارِثِيِّ، وَابْنِ رَزِينٍ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ, وَقِيلَ: لَا يَعْرِفُهُ مَعَ قَرِينَةِ سَرِقَةٍ, وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْمُصَنِّفِ, قُلْت: وَهُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ. وراجع الفتوى: 78435.

وعليه؛ فالواجب عليك توصيف حال المنشفة على ما سبق، وإخبار أخيك بهذه الأحكام، فإن كانت المنشفة من القسم الثاني، فليس لك الانتفاع بها.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك