ما حكم التلفظ بكلمة اللعن دون إتمامها؟

كثيرًا ما أسمع الناس من حولي يقولون إذا غضبوا: يلعن. ثم يصمتون ولا يكملون فيلعنوا أحدًا، فما حكم ذلك؟...

ما حكم التلفظ بكلمة اللعن دون إتمامها؟

س
كثيرًا ما أسمع الناس من حولي يقولون إذا غضبوا: يلعن. ثم يصمتون ولا يكملون فيلعنوا أحدًا، فما حكم ذلك؟
جــــ

جاءت النصوص الصريحة الصحيحة بالتحذير من اللعن، وذم اللعّانين، والتنفير من التخلق بهذه الخصلة الذميمة، وأنها منافية لكمال الإيمان، ومن أسباب نقصانه. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ ‌المُؤْمِنُ ‌بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ الترمذي (1977) وصححه الألباني.

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: “كُنَّا إِذَا ‌رَأَيْنَا ‌الرَّجُلَ ‌يَلْعَنُ ‌أَخَاهُ، رَأَيْنَا أَنَّهُ قَدْ أَتَى بَابًا مِنَ الْكَبَائِرِ” الطبراني (6674) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2791).

بل إنّ النبي صلى الله عليه وسلم استوقف عائشة رضي الله عنها حين ردت على اليهودي باللعن، وهم أهل لذلك. فعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: « دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ ‌السَّامُ ‌وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ البخاري (5678).

ثانياً:

التلفظ بكلمة اللعن دون إكمالها ليس لعنا صريحاً، إذ لا يكون الحكم إلا بعد تمام الكلام، ولذا لم يعتبر الفقهاء من لم يتم لفظ الطلاق طلاقاً ولو عزم عليه قلبه.

جاء في مسائل حرب للإمام أحمد: “سألت أحمد قلت: رجل أراد طلاق امرأته ثلاثًا، فقام إليه رجل فوضع ‌يده ‌على ‌فيه، فأشار بأصابعه الثلاث. قال: إذا لم يتكلم بلسانه فأرجو أن لا يدخل عليه. قلت: فإن عقد قلبه على الطلاق؟ قال: وإن عقد عليه قلبه، أرأيت لو طلق في نفسه أكان يكون طلاقًا؟!” انتهى من “مسائل حرب الكرماني”  (1/ 477 بترقيم الشاملة).

ثالثاً:

التلفظ بكلمة اللعن وحدها بقوله (يلعن) ليس من قول التي هي أحسن، ولا من الخير، والإسلام هذب المؤمن أخلاقياً وأرشده أن يكون قوله خيراً، وأن يقول التي هي أحسن وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا ‌الَّتِي ‌هِيَ ‌أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء: 53] وفي الحديث وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ‌فَلْيَقُلْ ‌خَيْرًا ‌أَوْ ‌لِيَصْمُتْ البخاري (5672).

والمتلفظ بها يحوم حول النهي عن اللعن يوشك أن يقع فيه (كالراعي يرعى حول الحمى).

كما أنه يندرج في البذاءة وفي الحديث أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ ‌لَيُبْغِضُ ‌الفَاحِشَ البَذِيءَ الترمذي (2002) وصححه الألباني.

ويُخشى على من تعود هذا اللفظ (يلعن) أن يقع كثيرا في إتمامه، كما أنه ولو لم يتمه، يخشى عليه أن يدخل في عموم اللعّانين، وفي الحديث عن أبي الدَّرْدَاءَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مسلم (2598).

ويوشك، إن أمسك هذا لسانه مرة عن إتمام “اللعنة” أن ينزلق لسانه إلى إتمامه مرات؛ فالخير عادة، والشر لجاجة، كما قال شداد بن أوس، رضي الله عنه.

وفي “مسائل حرب” (2/887): ” سألت إسحاق عن غيبة أهل الشرك قال: ليس أكرهه ولكن أكره أن يعود لسانه”.

وقال الإمام أحمد: “لا ‌يعود ‌لسانه الخنا والردى” انتهى، “الفروع” لابن مفلح (9/ 328)

والحاصل:

أن من نطق بكلمة اللعن، ثم لم يكمل؛ إن سلم من إثم اللاعن، وسوء حاله؛ فإنه لا يسلم من عادة السوء؛ ومن رعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك