لم يحج وله مال زائد أرصده للطوارئ فهل يلزمه الحج به

سؤالي بخصوص الاستطاعة المادية لأداء فريضة الحج، فعندي مبلغ من المال أحتفظ به في حساب بنكي، للظروف الطارئة -لا قدر الله- وهو يكفي لتغطية مصاريف أداء فريضة الحج من الذهاب حتى العودة، وقد وجدت...

لم يحج وله مال زائد أرصده للطوارئ فهل يلزمه الحج به

س
سؤالي بخصوص الاستطاعة المادية لأداء فريضة الحج، فعندي مبلغ من المال أحتفظ به في حساب بنكي، للظروف الطارئة -لا قدر الله- وهو يكفي لتغطية مصاريف أداء فريضة الحج من الذهاب حتى العودة، وقد وجدت رأيا يقول إنه إذا كان معي من المال ما يكفي لفريضة الحج أصبحت مخاطبًا بأمر الله: لمن استطاع إليه سبيلا- وعليه، يتعين علي المبادرة بالذهاب حتى وإن لم يعد معي أي مال للطوارئ، وأصبح مصدر دخلي هو الراتب الشهري فقط، الذي سيتعين علي الادخار منه مجددا من الصفر، وإن تأخير الحج لخشية الفقر –ما لم يخش الهلاك - هو سوء ظن بالله، ولكنني وجدت رأيا آخر يقول لا يتحقق شرط الاستطاعة المادية مع وجود خطر الإرهاق المادي في حالة الاستغناء عن رأس المال الذي سيتم تغطية مصاريف الحج به، وإن الحج يكون بفضل المال ما يزيد عن حاجة الإنسان الأصلية، وإن غنى النفس ودفع الحاجة إلى سؤال الناس المال في حالة الطوارئ -لا قدر الله- من الحاجات الأصلية لذلك، فمن يشعر أنه سيشق عليه الاستغناء عن المال الذي سيحج به فهو غير مأمور بالحج... فهل أحج بالمال المدخر الذي معي؟ أم أحتاط من تقلبات الزمان، وأدخر؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالاستطاعة من شروط وجوب الحج، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا {سورة آل عمران: 97}.

ويدخل في معنى الاستطاعة القدرة المادية بأن يملك الحاج تكاليف الحج، ومنها نفقاته طوال سفره، وكذلك نفقة مَن تلزمه نفقته، وأن يملك ما يقضي به دينه، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في كتابه أسنى المطالب: الِاسْتِطَاعَةُ تَارَةً تَكُونُ بِالنَّفْسِ، وَتَارَةً تَكُونُ بِالْغَيْرِ، فَالْأُولَى تَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي: الزَّادُ، وَالرَّاحِلَةُ؛ لِتَفْسِيرِ السَّبِيلِ فِي الْآيَةِ بِهِمَا فِي خَبَرِ الْحَاكِمِ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَتُعْتَبَرُ أَوْعِيَةُ الزَّادِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي لِلضَّرُورَةِ إلَيْهَا، فَمَنْ فَضَلَ عَنْ دَيْنِهِ – وَلَوْ مُؤَجَّلًا – أَوْ أُمْهِلَ بِهِ، وَلَوْ إلَى إيَابِهِ، وَعَنْ نَفَقَتِهِ، وَنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، وَكِسْوَتُهُمْ اللَّائِقَةُ بِهِ وَبِهِمْ ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَكَذَا عَنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ يَحْتَاجُهُ – أَيْ كُلًّا مِنْهُمَا – لِزَمَانَةٍ، أَوْ مَنْصِبٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا، أَوْ عَنْ ثَمَنِهِمَا، مَا يَصْرِفُهُ فِي الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ، وَمُؤَنِ السَّفَرِ ذَهَابًا وَإِيَابًا – فَمُسْتَطِيعٌ، فَيَلْزَمُهُ النُّسُكُ، وَإِلَّا فَلَا، كَنَظِيرِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَصَرَّحَ الدَّارِمِيُّ بِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَتْرُكَ لِمُمَوِّنِهِ نَفَقَةَ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ، وَوَجْهُ اعْتِبَارِ كَوْنِ مَا ذُكِرَ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ: أَنَّ الْحَالَّ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي، وَالْمُؤَجَّلَ يَحِلُّ عَلَيْهِ، فَإِذَا صَرَفَ مَا مَعَهُ فِي الْحَجِّ لَمْ يَجِدْ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ. انتهى.

فمن تحققت فيه الاستطاعة على النحو المذكور وجب عليه أن يحج حجة الإسلام، ولا يسقط عنه وجوب الحج بحُجة الحاجة للمال للطوارئ في المستقبل، أو خشية الفقر، فإنَّ ما ينفقه المسلم في الحج من مال هو سبب للرزق في الحقيقة، كما قال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ {سورة سبأ: 39}.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله: أَنفق يا ابن أدم أُنفق عليك.

وفي الحديث الآخرعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الجَنَّةُ. رواه الترمذي.

وأما ما ذكرت أنك وجدته رأيا آخر فيما تتحقق به الاستطاعة زائدا على ما ذكرنا لا نعلمه بهذا التفصيل قولا لأحد من أهل العلم.

وللفائد راجع الفتوى: 22472.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك