لا يصلي ويشرب الخمر وقال إنه مسيحي ويدعي أنه في حفظ الله لأنه يبر أمه

أختي متزوجة منذ قرابة عشر سنوات، وهي ملتزمة ـ والحمد لله ـ منذ عدة سنوات، لكن زوجها لا يصلي ويشرب الخمر أحيانا، وهذا بسبب أصحاب السوء، وعندما ننصحه يقول إنه في حفظ الله ما...

لا يصلي ويشرب الخمر وقال إنه مسيحي ويدعي أنه في حفظ الله لأنه يبر أمه

س
أختي متزوجة منذ قرابة عشر سنوات، وهي ملتزمة ـ والحمد لله ـ منذ عدة سنوات، لكن زوجها لا يصلي ويشرب الخمر أحيانا، وهذا بسبب أصحاب السوء، وعندما ننصحه يقول إنه في حفظ الله ما دام يبر أمه، وآخر مرة نصحته قال هذا ليس من شأن أحد وهي أمور تخصه، وغضب وقال إنه لن يسمع كلام أحد، وفي حالة غضب قال إنه مسيحي ولا يحدثه أحد في هذا الموضوع، والمشكلة أن ابنته الآن تبلغ من العمر عشر سنوات وبدأت تفهم وتقنعه لكي يصلي، لكنه أصبح يغضب كثيرا وبطريقة مبالغ فيها عند نصحه، وسأقدم له هذه الفتوى بعد الإجابة، فالرجاء نصحه وأن تبينوا له خطر ما يقوم به في حق نفسه وبناته وزوجته، مع العلم أنه يحبهم كثيرا وأن تبينوا لنا حكم هذه المسألة شرعا. وجزاكم الله كل خير.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فمن حلم الله تعالى على عباده أنه يمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة في كثير من الأحيان، فمنهم من لا يفيق ولا يرعوي فيكون الإمهال في حقه نقمة حيث يستدرجه الله تعالى فيتمادى في معصيته حتى يأخذه في غرة، ومنهم من يرزقه الله إفاقة من غفلته وارعواء عن غيه فيتوب إلى الله تعالى ويؤوب فيكون ذلك الإمهال نعمة في حقه، فالواجب المبادرة إلى التوبة وخاصة من هذين الذنبين العظيمين ـ ترك الصلاة وشرب الخمر ـ ففي الأولى قطع الصلة بين العبد وربه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى كفر من ترك الصلاة ولو تكاسلا، كما بينا في الفتوى رقم: 1145.

وفي الثانية تعاطٍ لأم الخبائث التي قد تقود صاحبها إلى ارتكاب كل رذيلة، وشاربها ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما بيناه بالفتوى رقم: 10723.

وعليه أن يستحضر قول الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ {الزمر53ـ 58}.

ومن الأمور الحسنة ما ذكر عن هذا الرجل من بره بأمه، وهو بذلك يؤدي إليها حقها الذي أمر الله به، وقرن بينه وبين حقه، كما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا {الإسراء:23}.

ولكن ألا يستحي أن يؤدي حق أمه ويفرط في حق ربه بعبادته وطاعته، وهو الذي أنعم عليه بهذه الأم وأنعم عليه ببره إياها، وهذه النعم تستوجب الشكر، ومن أعظم الشكر أن يتقي العبد الله حق التقوى، وكيف يكون محفوظا بحفظ الله وهو يعصيه بارتكاب الموبقات وكبائر الذنوب؟! فليتق الله ولا يغتر بحلمه، فإنه قد يأخذه بغتة فيندم حين لا ينفع الندم. وعليه أن يشكر الله أن من عليه بمن يشفق عليه ويبذل له النصح ويرجو له التوبة والصلاح، فلا يغضب إذا نصحه ناصح أو هداه إلى الحق هاد، بل عليه أن يشكر له ذلك، فعبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه.

ولا معروف أعظم من معروف من ينصح ويشفق، وليحذر هذا الرجل من صفات المنافقين، فإنهم هم الذين يستنكفون عن قبول النصيحة، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ {البقرة:206}.

وفي المقابل ينبغي للناصح أن يتحرى الحكمة في نصحه، ويتحلى بآداب النصيحة فيختار لها الوقت المناسب، والأسلوب الأمثل من اللين واللطف والحكمة والموعظة الحسن،ة مخلصا فيها لربه، مشفقا على المنصوح، مريدا الخير له، فلا ينصحه في الملأ، فذلك عيب في النصح، كما يقول الشافعي رحمه الله:
تعاهدني بنصحك في انفرادٍ وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه.

وللمزيد فيما يتعلق بآداب النصح يمكن مطالعة الفتوى رقم: 28313.

ومن أخطر ما ذكر عن هذا الرجل أنه قال إنه مسيحي، فإن صح ذلك عنه وقال هذا اللفظ وهو يعي ما يقول فقد أقر على نفسه بالكفر، وذلك موجب للخروج عن ملة الإسلام، جاء في الشرح الكبير للدردير المالكي قوله: أو قال هو يهودي، أو نصراني، أو مرتد، أو على غير ملة الإسلام إن فعل كذا، ثم فعله، فلا شيء، لكن يحرم عليه ذلك، فإن كان في غير يمين فردة ولو هازلا. اهـ.

وإذا ارتد حرمت عليه زوجته إلا إذا تاب ورجع إلى الإسلام قبل انقضاء عدته فترجع إليه بالنكاح الأول، كما هو موضح بالفتوى رقم: 25611.

فالأمر خطير والعواقب سيئة فلينتبه لذلك، وقاصمة الظهر في هذا كله هو الصحبة السيئة، فهي مفتاح لكثير من الشرور، فقد كفر بسببها من كفر، وضل من ضل قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا {الفرقان27ـ 29}.

فالصديق يؤثر على صديقه سلبا أو إيجابا، وبه يعرف، فليتق الله من يريد النجاة والسلامة لنفسه في الدنيا والآخرة، فلا يصاحب إلا مؤمنا تقيا، إذا نسي ذكره، وإذا ذكر أعانه، ولمزيد الفائدة تراجع الفتوى رقم: 24857.

وفي الختام ننصح بالدعاء لهذا الرجل ولكل عاص أن يلهمه الله رشده، ويرده إلى جادة الصواب، ويوفقه للتوبة النصوح، إن ربنا قريب مجيب، قال سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ {البقرة:186}.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك