لا ضمان على من فعل ما يجوز له فعله شرعا ولم يقصر فيه

كان لنا جار كبير في السن ومريض بالسكر، ولم يكن له أولاد. وكنت متفقا مع باقي الجيران على أن نسأل عنه، ونعطيه حقنة الأنسولين كل يوم. فكنا نذهب إليه ونسأله: إذا ما كان قد...

لا ضمان على من فعل ما يجوز له فعله شرعا ولم يقصر فيه

س
كان لنا جار كبير في السن ومريض بالسكر، ولم يكن له أولاد. وكنت متفقا مع باقي الجيران على أن نسأل عنه، ونعطيه حقنة الأنسولين كل يوم. فكنا نذهب إليه ونسأله: إذا ما كان قد أخذ الجرعة أم لا؟ ونحضر له طعاما، وأحيانا كان الرجل يصاب بهلوسة أو سكر مؤقت بسبب مرضه. وفي يوم من الأيام ذهبت إليه وسألته عما إذا كان قد أخذ جرعة الأنسولين أم لا؟ وكان حينها في وعيه فقال: لا، لم آخذها. فغبت عنه مدة قصيرة أقل من عشر دقائق، ثم عدت وأعطيته الحقنة، لكن عندما عدت لم يكن بوعيه هذه المرة. مات الرجل -رحمه الله- من ليلته، وفي الغالب مات بسبب جرعة أنسولين زائدة؛ إذ تبين أن أحد الجيران كان قد أعطاه الجرعة قبل أن أعطيه إياها بفترة من الزمن. مع العلم أني سألته وهو في وعيه عما إذا كان قد أخذها أم لا؟ ولم أغب عنه سوى عشر دقائق. وفي الغالب الذي أعطاه الجرعة أعطاه إياها قبل أن آتيه أصلا. فهل علي إثم فيما حدث؟ وإذا كان علي إثم فماذا أفعل؟ علما بأن هذا الرجل كان محببا إلى قلبي جدا، وأنا أشعر بالذنب كلما تذكرت ما حدث؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا إثم على السائل فيما ذكره، بل هو مشكور ومأجور -إن شاء الله- على رعايته واهتمامه بجاره المُسِن.

وأما مسألة الحقنة، فقد قام السائل بما له فعله ولم يقصر، فقد سأل جاره في حال وعيه: هل أخذت الجرعة أم لا؟ فأجاب بالنفي، فأحسن إليه السائل وأعطاه إياها بناء على خبره وإذنه، والإذن ينافي الضمان، فمن فعل ما أذن له فيه لم يضمن.

قال ابن الحاجب في «جامع الأمهات»: من فعل فعلا يجوز له من طبيب وشبهه على وجه الصواب ‌فتولد ‌منه ‌هلاك ‌أو ‌تلف مال؛ فلا ضمان عليه. اهـ.

وقال ابن جزي في «القوانين الفقهية»: كل من فعل ما يجوز له فعله ‌فتولد ‌منه ‌تلف؛ ‌لم ‌يضمن. اهـ.

والمقصود أن المرء إذا لم يَتَعدَّ، لم يضمن فعله المأذون له فيه -فضلا عما يجب عليه، أو يستحب منه- ولذلك لا يضمن الطبيب الحاذق الذي يعطي الصنعة حقها، وإن أتلف عضوا أو نفسا.

قال ابن القيم في «زاد المعاد»: طبيب حاذق أعطى الصنعة حقها ولم تجن يده، فتولد من فعله المأذون من جهة الشارع ومن جهة من يطبه تلف العضو أو النفس، أو ذهاب صفة، فهذا لا ضمان عليه اتفاقا، فإنها سراية مأذون فيه. وهذا كما إذا ختن الصبي في وقت وسن قابل للختان، وأعطى الصنعة حقها، فتلف العضو أو الصبي؛ لم يضمن. وكذلك إذا بطَّ من عاقل أو غيره ما ينبغي بَطُّه، في وقته، على الوجه الذي ينبغي، فتلف به؛ لم يضمن.

وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببها، كسراية الحد بالاتفاق …

وقاعدة الباب إجماعا ونزاعا: أن سراية الجناية مضمونة بالاتفاق، وسراية الواجب مهدرة بالاتفاق، وما بينهما ففيه النِّزاع. اهـ.

وقال الأبهري في «شرح المختصر الكبير»: إذا سقت المرأة ابنها دواءً من قُرْحٍ يلحقه فمات، أو طبيبٌ سقى رجلاً ‌دواءً ‌فمات، فلا كفّارة عليهما واجبة … لأنَّهما فعلا ما لهما فعله، ولا كفّارة عليهما، كالحاكم إذا حدَّ إنساناً فمات في حدِّه، فلا كفّارة عليه، وكذلك المُقتَصُّ منه إذا مات من القِصَاص، فلا شيء على الَّذِي اقتصَّ؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله. اهـ.

ومما يوضح المراد بيان ابن القيم لوجه قضاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في بصير كان يقود أعمى، فوقعا في بئر، فخرَّ البصير، ووقع الأعمى فوقه فقتله، فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى. قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: القياس حكم عمر؛ لوجوه:

أحدها: أن قوده له مأذون فيه من جهة الأعمى، وما ‌تولد ‌من ‌مأذون ‌فيه لم يضمن كنظائره.

الثاني: قد يكون قوده له مستحبا أو واجبا، ومن فعل ما وجب عليه أو ندب إليه لم يلزمه ضمان ما تولد منه.

الثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذنان إذن الشارع وإذن الأعمى، فهو محسن بامتثال أمر الشارع محسن إلى الأعمى بقوده له، وما على المحسنين من سبيل … اهـ.

وكذلك نقول هنا: إن السائل قد فعل ما أذن له وأحسن إلى جاره، وما على المحسنين من سبيل.

وهذا كله على افتراض حصول العلم بكون موت هذا الرجل كان بسبب الحقنة التي أعطاه إياها السائل، والحال ليس كذلك؛ فهذا مجرد ظن، فلا يتعلق به حكم، والأصل براءة الذمة.

قال ابن حزم في المحلى: إن شكت أمات من فعلها أم من غير فعلها؟ فلا دية في ذلك، ولا كفارة؛ لأننا على يقين من براءتها من دمه، ثم على شك أمات من فعلها أم لا … اهـ.

وقال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام: الأصل براءة ذمته، فإن الله خلق عباده كلهم أبرياء الذمم والأجساد من حقوقه وحقوق العباد، إلى أن تتحقق أسباب وجوبها. اهـ.

وقال الجويني في غياث الأمم: كل ما أشكل وجوبه، فالأصل براءة الذمة فيه، كما سبق في حقوق الأشخاص المعينين، فهذا منتهى المقصود فيما يتعلق بالأملاك من المعاملات، والحقوق الخاصة والعامة. اهـ.

والله أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك