كيف يصرف مال اليتيم إذا كان بين عدد من إخوته؟ وهل يجوز صرفه في حاجيات البيت؟

هل يشترط في كفالة اليتيم أن يصرف المبلغ على اليتيم شخصيًّا، إذا كان بين عدد من إخوته؟ وهل على الأم حرج في أن تصرف المبلغ في حاجيات البيت بشكل عام؟ وهل تعتبر كفالة يتيم...

كيف يصرف مال اليتيم إذا كان بين عدد من إخوته؟ وهل يجوز صرفه في حاجيات البيت؟

س
هل يشترط في كفالة اليتيم أن يصرف المبلغ على اليتيم شخصيًّا، إذا كان بين عدد من إخوته؟ وهل على الأم حرج في أن تصرف المبلغ في حاجيات البيت بشكل عام؟ وهل تعتبر كفالة يتيم إذا صرف بشكل عام؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن المال الذي يخصص ليتيم يكون ملكًا له، يصرف في مصالحه، ولا يجوز لأي أحد أن يأخذ منه شيئًا، إلا بحق شرعي، فقد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا {النساء:10}.

وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من المهلكات الموبقات، في الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: “الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات”.

وإذا كان اليتيم مع أهله، فإنه ينفق عليه من ماله، ويشمل ذلك حاجاته الشخصية التي ينفرد بها، وحاجاته التي يشارك فيها أهله، فللأم أن تصرف من ماله في شراء المواد التموينية التي يشترك فيها أهل البيت، أو تأخذ من مال إخوته بقدر ذلك؛ لجواز مخالطة اليتامى لذويهم، إن أرادوا الاصلاح؛ لقوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {البقرة:220}.

وبناء عليه؛ فإن كان مصروف البيت طبيعيًّا ينفق منه في حاجات الأسرة الضرورية، كالأكل، وما أشبهه، فلا حرج في خلط نصيب اليتيم المكفول مع غيره، فإن الشرع أباح مخالطتهم، والتعامل معهم للمصلحة، ولا سيما إذا كان ذلك يطمئن قلوبهم، ويشرح صدورهم، وتأنس به نفوسهم، فإنه مطلوب شرعًا؛ لما فيه من إدخال السرور على اليتيم، ورفع الحرج عن مخالطيهم، قال ابن كثير -رحمه الله-: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. وإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النِّسَاءِ:10]، انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ لَهُ الشَّيْءُ مِنْ طَعَامِهِ، فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ، أَوْ يَفْسَدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ الله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ. فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ. رواه أبو داود، والنسائي. وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية، كَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وعن عائشة- رضي الله عنها-: إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْيَتِيمِ عِنْدِي على حدة، حَتَّى أَخْلِطَ طَعَامَهُ بِطَعَامِي، وَشَرَابَهُ بِشَرَابِي.

فَقَوْلُهُ: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ: أَيْ: عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ. أَيْ: وَإِنْ خَلَطْتُمْ طَعَامَكُمْ بِطَعَامِهِمْ، وَشَرَابَكُمْ بِشَرَابِهِمْ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ، أَيْ: يَعْلَمُ مَنْ قَصْدُهُ، وَنِيَّتُهُ الْإِفْسَادَ أَوِ الْإِصْلَاحَ.

وَقَوْلُهُ: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: أَيْ: ولو شاء الله لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ وَأَحْرَجَكُمْ، وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ، وَخَفَّفَ عَنْكُمْ، وَأَبَاحَ لَكُمْ مُخَالَطَتَهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، قال تَعَالَى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152]. انتهى.

وقال السعدي في تفسيره: لما نزل قوله تعالى: إن الذين يأكلون اليتامى.. شق ذلك على المسلمين، وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى، خوفًا على أنفسهم من تناولها، ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأخبرهم تعالى أن المقصود إصلاح أموال اليتامى بحفظها، وصيانتها، والاتجار فيها، وأن خلطتهم إياهم في طعام أو غيره، جائز على وجه لا يضر باليتامى؛ لأنهم إخوانكم، ومن شأن الأخ مخالطة أخيه. اهـ.

وأما الأم، فلها أن تأكل من مال اليتامى إن كانت محتاجة، ولا سيما إذا فرغت نفسها لتربيتهم، والقيام عليهم، قال ابن عبد البر في الكافي في فقه أهل المدينة: وينفق على أم اليتيم من ماله، إذا كانت محتاجة. اهـ.

وقال القرافي في الذخيرة: وينفق على أم اليتيم من ماله إذا كانت محتاجة؛ لقوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا}. اهـ.

وجاء في المحلى بالآثار لابن حزم: فإذا كانت أم اليتيم محتاجة، أنفق عليها من ماله، يدها مع يده، والموسرة لا شيء لها. اهـ.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك