كيف يحفظ أولاده من التأثر بالبيئة الفاسدة؟

ولدت في عائلة مسيحية أرثوذكس في مدينة حمص، سافرت إلى جزر الكاريبي في سن السابعة عشر، أسلمت في سن ال ٢٣، فقاطعني أهلي جميعا سبع سنين، بعد أحداث سوريا سافر إخوتي الثلاثة عندي بعد...

كيف يحفظ أولاده من التأثر بالبيئة الفاسدة؟

س
ولدت في عائلة مسيحية أرثوذكس في مدينة حمص، سافرت إلى جزر الكاريبي في سن السابعة عشر، أسلمت في سن ال ٢٣، فقاطعني أهلي جميعا سبع سنين، بعد أحداث سوريا سافر إخوتي الثلاثة عندي بعد صلح تم من الجميع إلا أبي إلى الآن، رزقني الله تعالى بزوجة ملتزمة، ومنها رزقني سبحانه بنتين وولدين، عملي في جزر الكاريبي، وجنسيتي أمريكية، وزوجتي مغربية، نشأ أولادي بين الثلاثة بلدان في الإبتدائية، أدخلت الكبيرين في المدرسة الإسلامية في فلوريدا، حفظ قرآن حتى الظهر، وبعدها التعليم الأكاديم ، كانت الأمور جيدة، ولكم لاحظت على أولادي مع حفظهم للقرآن تسرب الثقافة الأمريكية لأنفسهم، ففرت بهم إلى المغرب بلد الزوجة، ظنا مني انهم سيتعلمون دينهم، ويرون أخلاق المسلمين في بلاد المسلمين، خاب ظني ولم أجد بغيتي، أضاع اولادي ما في صدورهم من قرآن، وضعفت ثقافتهم الإسلامية، إلا إني لا أدع يوما إلا وأعلمهم مما علمني الله تعالى، ولكن لم يكن هذا هدفي، أنا بفضل الله تعالى أتنفس الإسلام، ويجري في دمي، وأود ان يحفظ الله تعالى ذريتي، ويحفظ دينهم، بماذا تنصحوني، لا أريد الرجوع لامريكا، وليس عندنا أجواء إسلامية في محل إقامتنا في المغرب؟
جــــ

أولًا:

سبق لنا التعرض إلى نصائح وإرشادات متعلقة بتربية الأولاد في المجتمعات الغربية، وهي في الحقيقة صالحة للتطبيق في كل بيئة غير إسلامية.

ثانيًا:

بعد الاستفادة من الخارطة الموجودة في جواب السؤال السابق ذكره، نحب أن نوضح أمرًا مهمًا، وهو أننا عندما نربي أولادنا لا نملك أية وسائل حتمية لحفظهم من الوقوع في الأخطاء، نحن نجتهد، ونعلم، ونغذي بالقيم، ولا نهمل، ولا نعجز، ولا نكسل، ولا نُحبَط؛ ثم نسأل الله التوفيق.

وقد نوفي هذا حقه، وقد نقصر، وفي الحالتين: لا نتائج حتمية، وهذه طبيعة البشر … وأيضا: سابق القدر!!

وفي قصة الخضر خبران: أحدهما عن غلامين صالحين، كان أبوهما صالحا، والثانية عن غلام طالح، كان أهله صالحين.

حرصك على صلاح أولادك، واستقامتهم، طبيعي جدًا، بل واجب شرعي: أن تقوم على رعايتهم، وحفظهم، وتربيتهم، وتبذل كل ما في وسعك، لتلك الغاية المنشودة.

ومخاوفك مقبولة، ومفهومة، وقد قصدنا أن نقول: أن الإنسان محدود؛ محدود العلم، محدود القدرة والقوة، جاهل بالغيوب؛ ليس له قدرة على التأثير فيما هو خارج دائرة أفعاله وخياراته.

وتقبُّل هذه المحدودية مهم جدًا، كي لا يصاب الإنسان بالقنوط واليأس، وهو ضروري جدًا كي يتبرأ الإنسان من حوله وقوته، ويداوم على سؤال الله الهداية والتوفيق له، ولأبنائه، ولجميع من يحب.

فالعاصم من طوفان الثقافات الفاسدة هو الله وحده، وما تفعله إنما هو أسباب مطلوبة، مأمور بها شرعا، ولها تأثيرها مهما يكن خفيا عنك، ثم لن تعدم ثوابها من الله، على كل حال.

وحينئذ، وأنت أبصر بحالك، وحال أولادك؛ يمكنك أن تعيد تقييم التجربة، وتقييم “المكان” و”الأرض” التي تناسب أولادك؛ فإن “البلد” المعين: إنما يطلب، حيث يصلح حال العبد فيه، وكم من مقيم في أرض صالحة، وبلد حرام؛ وهو بعيد عن ربه، منتهك لحدوده. والعكس كذلك.

روى الإمام مالك في ” الموطأ ” (4/1117) عن يحيى بن سعيد: ” أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي: أن هلم إلى الأرض المقدسة ، فكتب إليه سلمان : إن الأرض لا تُقدِّس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله” .

وحينئذ، فعليك أن تتخير أولى البلاد بك، وبعيالك، وأقربهم لصلاح أمرك، وأمر عيالك.

وإن كنا نرى أن بلاد العرب والمسلمين، أقرب إلى ذلك على كل حال؛ فانتقل من مدينة لأخرى، ومن حي إلى آخر، عسى أن يكون أقرب، وأصلح لعيالك، لا سيما في مآلهم، ومستقبل أمرهم.

ثم، عليك بعد ذلك أن توقن أن قضاء الله لك وللأبناء خير كله، تشكر إن أنتجت أفعالك ما ترجو وتصبر إن ابتعدت النتائج بعض الشي عما تحب.

ثالثًا:

ربما تتعرض سلوكيات أبنائك لنوع من المد والجزر، تتجاذبهم المؤثرات الخارجية حينًا، وترجع بهم جهودك أحيانًا، لكن الثابت المهم، الذي ينبغي أن يدوم، لأن تأثيره يدوم: هو جودة علاقتك بأبنائك، واستمرارية تعبيرك عن حبك لهم، وعن تقديرك لهم، وعن اعترافك بحسناتهم، ونقاط قوتهم، واستمرارية تشجيعك لهم.

إن جودة العلاقة بهذا الشكل: من شأنه أن يعود بأبنائك إلى شاطئك، مهما ابتعدت سفنهم عنك في بعض الأحيان.

وبعض الآباء يهتزون إذا جذبت السبل أبناءهم، فيتعاملون بشيء من العنف، أو يغلبهم حزنهم وخوفهم، فيغفلون عن ضرورة استمرار التعبير عن المحبة والتقدير، وأهمية الجمع بين الحزم واللطف، فيؤدي هذا إلى زيادة المسافات والفجوات بينهم وبين أبنائهم.

لهذا كان من الضروري أن نؤكد هنا أنه على الرغم من أهمية الإجراءات والنشاطات المشروحة في السؤال الذي أحلناك إليه، فإن استمرارية تجويد العلاقة، والتعبير عن المحبة والتقدير والتشجيع؛ كل ذلك له مفعول السحر على أبنائك، وسيجعل ولاءهم لك وللأسرة، ولقيم الأسرة؛ مهما ابتعدوا ابتعادًا مؤقتًا.

نسأل الله لك ولأسرتك الهداية والتوفيق والثبات.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك