كلام أهل العلم في الجمع بين الصلوات لرفع الحرج

ما مدى قوة قول القائلين بأن الجمع بين الصلوات هو جمع صوري، وليس حقيقيًا؟...

كلام أهل العلم في الجمع بين الصلوات لرفع الحرج

س
ما مدى قوة قول القائلين بأن الجمع بين الصلوات هو جمع صوري، وليس حقيقيًا؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

ففي السؤال نوع غموض، فإن كان المراد أن كل جمع ورد في الشرع – سواء للمسافر، أم غيره – فهو جمع صوري: فهذا خطأ، فقد ثبت الجمع الحقيقي في مثل: الحج، والسفر, وراجع الفتوى رقم: 6846 في أحوال الجمع بين الصلاتين عند الفقهاء.

وإن كان المقصود الجمع الوارد في حديث ابن عباس الذي رواه مسلم قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف، ولا مطر، قيل لابن عباس: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته.

فالقول بأنه جمع صوري فيه قوة؛ قال الشوكاني في نيل الأوطار – في أجوبة العلماء عن ظاهر الحديث -: وَمِنْهَا أَنَّ الْجَمْع الْمَذْكُور صُورِيّ بِأَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الظُّهْر إلَى آخِر وَقْتهَا، وَعَجَّلَ الْعَصْر فِي أَوَّل وَقْتهَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا احْتِمَال ضَعِيف، أَوْ بَاطِل؛ لِأَنَّهُ مُخَالِف لِلظَّاهِرِ مُخَالَفَة لَا تُحْتَمَل.

قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا الَّذِي ضَعَّفَهُ قَدْ اسْتَحْسَنَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَرَجَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ مِنْ الْقُدَمَاءِ ابْنُ الْمَاجِشُونَ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَقَوَّاهُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ بِأَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ – وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ – قَدْ قَالَ بِهِ، قَالَ الْحَافِظُ أَيْضًا: وَيُقَوِّي مَا ذُكِرَ مِنْ الْجَمْع الصُّورِيّ أَنَّ طُرُق الْحَدِيثِ كُلّهَا لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّض لِوَقْتِ الْجَمْع، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى مُطْلَقهَا، فَيَسْتَلْزِم إخْرَاج الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا الْمَحْدُود بِغَيْرِ عُذْر، وَإِمَّا أَنْ يُحْمَل عَلَى صِفَة مَخْصُوصَة لَا تَسْتَلْزِم الْإِخْرَاجَ، وَيُجْمَع بِهَا بَيْن مُفْتَرِق الْأَحَادِيث، فَالْجَمْع الصُّورِيّ أَوْلَى. وَاَللَّه أَعْلَم. اهـ.

وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى تَعْيِين حَمْل حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الْجَمْع الصُّورِيّ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، أَخَّرَ الظُّهْر وَعَجَّلَ الْعَصْر، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ. فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَاوِي حَدِيثِ الْبَابِ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ مَا رَوَاهُ مِنْ الْجَمْع الْمَذْكُور هُوَ الْجَمْع الصُّورِيّ.

وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَظُنّهُ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ الْمُؤَيِّدَات لِلْحَمْلِ عَلَى الْجَمْع الصُّورِيّ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَالْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا. فَنَفَى ابْنُ مَسْعُودٍ مُطْلَق الْجَمْع، وَحَصَرَهُ فِي جَمْع الْمُزْدَلِفَةِ، مَعَ أَنَّهُ مِمَّنْ رَوَى حَدِيثَ الْجَمْع بِالْمَدِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجَمْع الْوَاقِع بِالْمَدِينَةِ صُورِيّ، وَلَوْ كَانَ جَمْعًا حَقِيقِيًّا لَتَعَارَضَ رِوَايَتَاهُ، وَالْجَمْع مَا أَمْكَنَ الْمَصِير إلَيْهِ هُوَ الْوَاجِب، وَمِنْ الْمُؤَيِّدَات لِلْحَمْلِ عَلَى الْجَمْع الصُّورِيّ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ، وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ، وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا» وَهَذَا هُوَ الْجَمْع الصُّورِيّ، وَابْنُ عُمَرَ هُوَ مِمَّنْ رَوَى جَمْعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ.

وَهَذِهِ الرِّوَايَات مُعَيِّنَة لِمَا هُوَ الْمُرَادُ بِلَفْظِ: جَمَعَ؛ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُول مِنْ أَنَّ لَفْظ: ” جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ” لَا يَعُمَّ وَقْتهَا، كَمَا فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْتَهَى، وَشُرُوحِهِ، وَالْغَايَةِ، وَشَرْحِهَا، وَسَائِر كُتُبِ الْأُصُول، بَلْ مَدْلُوله لُغَة الْهَيْئَة الِاجْتِمَاعِيَّة، وَهِيَ مَوْجُودَة فِي جَمْع التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير، وَالْجَمْع الصُّورِيّ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَل جَمِيعهَا، وَلَا اثْنَيْنِ مِنْهَا؛ إذْ الْفِعْل الْمُثْبَت لَا يَكُون عَامًّا فِي أَقْسَامه، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّة الْأُصُول، فَلَا يَتَعَيَّن وَاحِد مِنْ صُوَر الْجَمْع الْمَذْكُور إلَّا بِدَلِيلٍ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْجَمْع الْمَذْكُور فِي الْبَابِ هُوَ الْجَمْع الصُّورِيّ، فَوَجَبَ الْمَصِير إلَى ذَلِكَ … اهـ.

والله أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك