ضوابط صحة الإبراء من المجهول

تهاونت في عملي بعض الأوقات في السنوات الأولى، فكنت أعوض قيمة تلك الأوقات بعدم أخذ كل الإجازات التي لي الحق فيها كل سنة والعمل بدلا من ذلك، و تسديد باقي المال بإرجاعه إلى حساب...

ضوابط صحة الإبراء من المجهول

س
تهاونت في عملي بعض الأوقات في السنوات الأولى، فكنت أعوض قيمة تلك الأوقات بعدم أخذ كل الإجازات التي لي الحق فيها كل سنة والعمل بدلا من ذلك، و تسديد باقي المال بإرجاعه إلى حساب الشركة. ثم تعاظم علي هذا الدين فلم يعد بإمكاني إرجاع كل المال اللازم إلى الشركة فصارحت صاحب العمل بأني تهاونت أوقاتا من العمل، و طلبت منه أن يسامحني، و لم أعلمه بالمبالغ التي أرجعتها و لا بالسبب الذي من أجله لم آخذ كل إجازاتي. واليوم أنا أغادر هذه الشركة، و تقوم الإدارة عند مغادرة الموظف العمل بعد الإجازات التي لم يأخذها طيلة عمله، و صرفها له نقدا. وأنا علي الآن ديون كثيرة، فهل آخذ المال الذي سيعطونه لي تعويضا عن هذه الإجازات التي لم آخذها لتسديد ديوني؟ علما وأني احتسبتها من قبل ردا للمظالم، ثم سامحني صاحب العمل على هذا التقصير؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالواجب عليك هو التوبة من هذا الذنب، ومن شروط التوبة رد المظالم لأهلها أواستحلالهم، والأولى في الاستحلال أن تبين قدر المال الواجب عليك لصاحب العمل، وإن علمت أن صاحب العمل لن يبرئك إذا أخبرته بقيمة ما عليك من حقوق فلا يجوز لك عدم بيان القيمة ولا يصح الإبراء في هذه الحالة، فإن انتفى هذا المحذور وأبرأك صاحب العمل مع جهله بقيمة ما له من الحقوق فهذا إبراء صحيح يسقط الإثم عنك إن شاء الله تعالى ويحل لك أخذ باقي حقوقك، وهذا على القول الذي نراه راجحاً، فإن الفقهاء اختلفوا في صحة الإبراء من المجهول، قال ابن قدامة في المغني: تصح البراءة من المجهول, إذا لم يكن لهما سبيل إلى معرفته. وقال أبو حنيفة: تصح مطلقا. وقال الشافعي: لا تصح, إلا أنه إذا أراد ذلك قال: أبرأتك من درهم إلى ألف. لأن الجهالة إنما منعت لأجل الغرر, فإذا رضي بالجملة, فقد زال الغرر, وصحت البراءة. ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصما إليه في مواريث درست: { اقتسما, وتوخيا الحق, ثم استهما, ثم تحالا } رواه أبو داود. ولأنه إسقاط, فصح في المجهول, كالعتاق والطلاق, وكما لو قال: من درهم إلى ألف. ولأن الحاجة داعية إلى تبرئة الذمة, ولا سبيل إلى العلم بما فيها, فلو وقف صحة البراءة على العلم, لكان سدا لباب عفو الإنسان عن أخيه المسلم, وتبرئة ذمته, فلم يجز ذلك, كالمنع من العتق. وأما إن كان من عليه الحق يعلمه, ويكتمه المستحق, خوفا من أنه إذا علمه لم يسمح بإبرائه منه, فينبغي أن لا تصح البراءة فيه; لأن فيه تغريرا بالمشتري, وقد أمكن التحرز منه. انتهى .

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما ملخصه: والذي عليه جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية ورواية عند الحنابلة أن الإبراء من المجهول صحيح, وذلك لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة. ويقرب منه الاتجاه الثاني, وهو رواية للحنابلة أيضا, وهو صحة الإبراء مع الجهل إن تعذر علمه, وإلا فلا, وقالوا: إنه لو كتمه طالب الإبراء خوفا من أنه لو علمه المبرئ لم يبرئه لم يصح . أما الاتجاه الثالث وهو مذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة , فهو أنه لا يصح الإبراء عن المجهول مطلقا. انتهـى .

والحديث الذي استدل به الحنابلة رواه أحمد وأبو داود عن أُمِّ سَلَمَةَ قالت: جاء رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إلى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قد دُرِسَتْ ليس بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنكم تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ وَإِنَّمَا أنا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ ألحن بِحُجَّتِهِ أو قال لِحُجَّتِهِ من بَعْضٍ فإني أقضي بَيْنَكُمْ على نَحْوِ ما أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ له من حَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً فَلاَ يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ يأتي بها إِسْطَاماً في عُنُقِهِ يوم الْقِيَامَةِ، فَبَكَى الرَّجُلاَنِ وقال كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حقي لأخي، فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَمَّا إذا قُلْتُمَا فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.

والإسطام -كما جاء في لسان العرب- الحديدة التي تحرك بها النار وتسعر أي أقطع له ما يسعر به النار على نفسه ويشعلها، أو أقطع له نارا مسعرة.

قال الشوكاني في نيل الأوطار: فيه دليل على أنه يصح الإبراء من المجهول لأن الذي في ذمة كل واحد ههنا غير معلوم، وفيه أيضا صحة الصلح بمعلوم عن مجهول، ولكن لا بد مع ذلك من التحليل.

ولمزيد الفائدة يمكنك مراجعة الفتوى رقم : 59949 .

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك