زنى بامرأة متزوجة بينها فهل له أن يتزوجها إذا طلقها زوجها؟

هناك امرأة زوجها سكير يؤذيها بدنياً ، ولهذا تركت البلد واتجهت شمالاً في الولايات المتحدة الأمريكية ، وظنت أنها طلقت تلقائياً ؛ لأن شخصاً ما أخبرها أن حقيقة أنها هربت من زوجها لمدة سنة...

زنى بامرأة متزوجة بينها فهل له أن يتزوجها إذا طلقها زوجها؟

س
هناك امرأة زوجها سكير يؤذيها بدنياً ، ولهذا تركت البلد واتجهت شمالاً في الولايات المتحدة الأمريكية ، وظنت أنها طلقت تلقائياً ؛ لأن شخصاً ما أخبرها أن حقيقة أنها هربت من زوجها لمدة سنة ، فإنها تصبح طالقاً تلقائياً ، قابلت رجل مسلم في العمل وأكد لها أنها لم تطلق على الحقيقة في هذا الوضع ، ولقد تعرفا على بعضهما ، ووقعت في الحب حتى أنهم ارتكبوا الزنا ، في النهاية حصلت على أوراق طلاقها ، وأكملت فترة عدتها ، وتوقف كل من الرجل والمرأة عن رؤية بعضهما البعض ، وشعرا بالندم والذنب على خطيئتهما وتابا إلى الله ، وهما يرتبان للزواج قريباً إن شاء الله . لذا فأريد أن أعرف هل هذا الزواج صحيح ؟ وقد سمعت أن هناك بعض علماء المالكية يرون أن الشخص الذي يفسد الحياة الزوجية لامرأة فلا يجوز له أن يتزوج نفس المرأة ، ولكن غالب العلماء يجيزون له هذا الزواج ويعتبرون زواجه صحيح . والرجل غير متأكد هل وقع في هذه الجزئية أم لا ؟ لأن المرأة بالفعل كانت تنوي الطلاق قبل أن تقابله ، والرجل أيضاً يتبع المذهب الحنفي ، والمرأة تتبع المذهب الشافعي - إن كان هذا سيفيد - ، على الرغم من أن جمهور العلماء يقولون بصحة الزواج ، فأنا أرغب في معرفة الرأي الصحيح في ذلك .
جــــ

أولاً:
إذا تركت المرأة زوجها أو ترك الرجل زوجته لمدة سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك أو أقل : فالنكاح باق على حاله ، حتى يوقع الرجل طلاق امرأته فعليا ؛ وما دام أن ذلك لم يحصل : فلم يتلفظ الرجل بطلاق امرأته ، ولم يكتب لها ذلك ناويا طلاقها : فالمرأة باقية في عصمته ولو طالت مدة الفراق .
سئل الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ : متى تعتبر المرأة طالقاً فقال : ” تعتبر المرأة طالقاً إذا أوقع زوجها عليها الطلاق ، وهو عاقل مختار ، ليس به مانع من موانع الطلاق كالجنون والسكر ، ونحو ذلك ، وكانت المرأة طاهرة طهراً لم يجامعها فيه ، أو حاملاً ، أو آيسة ” .
انتهى من “فتاوى الطلاق” (1/35) .

ثانياً:
الزنا كبيرة من كبائر الذنوب ، ويشتد الإثم وتضاعف العقوبة ، إذا كانت المرأة متزوجة لما في ذلك من تدنيس فراش زوجها ، ولهذا كانت عقوبة الزاني البكر الجلد مائة جلدة ، وعقوبة الزاني المحصن الرجم حتى الموت .
قال تعالى: ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً )سورة الإسراء/32.
قال الشيخ السعدي رحمه الله : ” والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن: ” من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ” خصوصا هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه .
ووصف الله الزنى وقبحه بأنه ( كَانَ فَاحِشَةً ) أي : إثما يستفحش في الشرع والعقل والفطر ، لتضمنه التجرئ على الحرمة في حق الله وحق المرأة وحق أهلها أو زوجها ، وإفساد الفراش ، واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد .
وقوله: ( وَسَاءَ سَبِيلاً ) أي : بئس السبيل سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم” .
انتهى من ” تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان” (1/457) .

والواجب عليهما التوبة الصادقة والرجوع إلى الله والبعد عن دواعيه ، ومن تاب تاب الله عليه.

ثالثاً :
الأصل أنه لا يجوز للزاني أن ينكح الزانية إلا بعد التوبة الصادقة ؛ لقوله تعالى: ( الزَّانِي لا يَنكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) النور/ 3 .
والتوبة تحصل بالندم والعزم على عدم العودة إلى المعصية ، وما داما أنهما قد تابا وندما على ما وقع فيه من معصية صح نكاحهما عند أكثر العلماء .
قال ابن قدامة رحمه الله : ” وإذا زنت المرأة , لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين:
أحدهما: انقضاء عدتها ..
والشرط الثاني: أن تتوب من الزنا ..
..وإذا وجد الشرطان حل نكاحها للزاني وغيره , في قول أكثر أهل العلم , منهم أبو بكر , وعمر , وابنه , وابن عباس , وجابر , وسعيد بن المسيب , وطاوس , وجابر بن زيد , وعطاء , والحسن , وعكرمة , والزهري , والثوري , والشافعي , وابن المنذر , وأصحاب الرأي .
وروي عن ابن مسعود , والبراء بن عازب , وعائشة , أنها لا تحل للزاني بحال , قالوا: لا يزالان زانيين ما اجتمعا ; لعموم الآية والخبر.
ويحتمل أنهم أرادوا بذلك ما كان قبل التوبة , أو قبل استبرائها , فيكون كقولنا.
فأما تحريمها على الإطلاق فلا يصح ; لقوله تعالى: ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ).
ولأنها محللة لغير الزاني , فحلت له , كغيرها ” انتهى من “المغني”(7/108).

ثالثاً :
لا يجوز للمسلم أن يخبب امرأة على زوجها لما فيه من هدم البيوت وتشتيت الأسرة ، ولو كان بينهما خلاف بلغ أشده ، وقد عده بعض العلماء من كبائر الذنوب ، قال – صلى الله عليه وسلم – ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امرَأَةً عَلَى زَوجِهَا ) . رواه أبو داود ( 2175 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
وروى أبو داود ( 5170 ) – أيضاً – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .
قال الشيخ عبد العظيم آبادي – رحمه الله – :
( مَن خبَّب ) : بتشديد الباء الأولى … ، أي : خدع وأفسد .
( امرأة على زوجها ) : بأن يذكر مساوئ الزوج عند امرأته ، أو محاسن أجنبي عندها “.
انتهى من “عون المعبود ” ( 6 / 159 ).
وقال : ” ( مَنْ خَبَّب زوجة امرئ ) : أي خدعها وأفسدها أو حسن إليها الطلاق ليتزوجها ، أو يزوجها لغيره أو غير ذلك ” . انتهى من ” عون المعبود “( 14 / 52 ).
قال المناوي رحمه الله : “.. قال شيخنا الشعراوي : ومن ذلك ما لو جاءته امرأة غضبانة من زوجها ليصلح بينهما مثلاً ، فيبسط لها في الطعام ، ويزيد في النفقة والإكرام ، ولو إكراماً لزوجها : فربما مالت لغيره ، وازدرت ما عنده ؛ فيدخل في هذا الحديث ، ومقام العارف أن يؤاخذ نفسه باللازم ، وإن لم يقصده .
قال : وقد فعلت هذا الخلق مراراً فأضيق على المرأة الغضبانة ، وأوصي عيالي أن يجوعوها ، لترجع وتعرف حق نعمة زوجها ” انتهى من “فيض القدير شرح الجامع الصغير” (6/159).
رابعاً:
من خبب امرأة على زوجها ، فأفسدها عليه حتى فارقته ، ثم نكحها : لم يصح نكاحه ووجب التفريق بينهما على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وهو مذهب المالكية ، وللاستزادة في حكم المسألة ومعنى التخبيب.

وبناء على ما سبق : فإذا كان هذا الرجل هو الذي خبب المرأة على زوجها ، حتى تطلقت لأجله : لم يجز له نكاحها ، لا سيما وقد زنى بها ، وقد مر الخلاف في نكاح الزاني ممن زنى بها ، فقد جمع هنا سوأتين : التخبيب ، والزنا .

وأما إذا لم يكن هو الذي خببها على زوجها ، كما هو ظاهر السؤال ؛ بل إنما عرفها والتقى بها بعد فراقها لزوجها ، وتركها لمسكنه : فنكاحه لها صحيح ، إذا تطلقت من زوجها الأول ، بشرط أن يتوبا إلى الله تعالى مما جرى منهما .

والله أعلم .

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك