خروج المذي عمدا ممن يصوم كفارة صيام شهرين

أقوم بقضاء كفارة صيام شهرين، وأنا الآن في الشهر الثاني، وأتبع المذهب المالكي، لكن لم أكن أعلم أن خروج المذي عمدًا بشهوة، مبطل للصيام عند المالكية! أشعر بخوف وندم شديد في حال كنت قد...

خروج المذي عمدا ممن يصوم كفارة صيام شهرين

س
أقوم بقضاء كفارة صيام شهرين، وأنا الآن في الشهر الثاني، وأتبع المذهب المالكي، لكن لم أكن أعلم أن خروج المذي عمدًا بشهوة، مبطل للصيام عند المالكية! أشعر بخوف وندم شديد في حال كنت قد أفسدت كل ما صمته (أكثر من شهر). فهل خروج المذي عمدًا لمن كان جاهلًا بالحكم مفطر، ويستوجب إعادة صيام شهرين، أم قضاء ذلك اليوم فقط عند الانتهاء؟ وماذا عن خروج المني؟ هل يُقْضَى ذلك اليوم فقط بعد الانتهاء من صيام الكفارة؟ قرأت أن الشخص يجب عليه البحث عن العلم، ولا تسقط عنه العقوبة عند الجهل. عائلتي تعلم أنني أصوم هذه الكفارة، وإن كان يجب عليَّ إعادتها، فلا أعلم كيف أصارحهم بذلك. ولا أستطيع إعادتها حتى نوفمبر من العام القادم. مرَّ أسبوع منذ أن حدث ذلك، ولم أتوقف عن الصيام. بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن تعمد إخراج المذي مفسد للصوم في مشهور مذهب مالك، كما هو معلوم عند من له إلمام بفروعه، ولكنه ليس محل اتفاق، إذ يوجد من علماء المذهب من لا يراه مفسدًا للصوم.

جاء في التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب: المشهور في المذي وجوب القضاء، وخالف ابن الجلاب فيه، وفي الحقنة، وفي القيء المستدعي، فجعل القضاء في الجميع مستحباً، والمشهور في الثلاثة الوجوب. انتهى.

وفي جامع الأمهات: وَشَرْطُهُ -يقصد صحة الصوم-: الإِمْسَاكُ عَنْ إِخْرَاجِ مَنِيٍّ أَوْ قَيْءٍ، وَفِي الْمَذْيِ وَالإِنْعَاظِ: قَوْلانِ. انتهى.

وفي الدر الثمين والمورد المعين لمؤلفه ميارة: وفي المذي والانعاظ قولان، التوضيح المشهور في المذي وجوب القضاء، وقال ابن الحاجب باستحبابه. انتهى.

وفي التاج والإكليل لمختصر خليل لمؤلفه المواق: وأما مسألة المذي، فقال ابن رشد: المذي عن تذكر، أو نظر دون قصد اللذة إن توبع ناقض، وأما إن نظر على غير قصد، أو تذكر، فأمذى دون أن يتابع النظر، أو التذكر، فقيل: عليه القضاء، وسمعه ابن القاسم في النظر، والتذكر محمول عليه، وقيل: إنه لا قضاء عليه، إلا أن يتابع ذلك، وهذا القول رواه ابن القاسم عن مالك في التذكر، والنظر محمول عليه، إذ لا فرق بينهما، وهذا القول أظهر، لأن المذي لا يجب به القضاء عن الشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم، وقد قال البغداديون: إن القضاء على من قَبَّلَ، أو أمذى في مذهب مالك، إنما هو استحباب. انتهى.

وعليه؛ فإنا نرى أن للسائلة أن تقلد هذا القول المقابل للمشهور في المذهب، وتعتبر صوم اليوم الذي تعمدت فيه إخراج المذي صحيحًا، أخذًا بالقول المرجوح في المذهب، واستنادًا إلى قول جمهور أهل العلم الذين لا يرون الإمذاء مفسدًا للصوم، ورفعًا للحرج عنها، فتعتد به، ولا يفسد تتابعها، ولو قضت صيام ذلك اليوم فور كمال صوم الشهرين احتياطًا، كان ذلك أحسن، يضاف إلى ذلك أن الجهل قد يعذر به في بعض الحالات، ولا سيما في الصوم، ففي التاج والإكليل لمؤلفه المواق: مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ صَامَ ذَا الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ، لِظِهَارٍ عَلَيْهِ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ خَطَأً لَمْ يُجْزِهِ. قَالَ مَالِكٌ: إلَّا مَنْ فَعَلَهُ بِجَهَالَةٍ، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ، فَعَسَى أَنْ يُجْزِئَهُ، يُرِيدُ وَيَقْضِي أَيَّامَ النَّحْرِ الَّتِي أَفْطَرَ فِيهَا وَيَصِلُهَا. انتهى.

فقد عذروا هنا بالجهل من صام شهري الكفارة في الفترة التي فيها اليوم أو الأيام التي يحرم صومها جهلاً منه، ولو كان غير جاهل لما عذروه وأفسدوا تتابعه، الشاهد هنا هو: العذر بالجهل في الجملة.

أما تعمد إخراج المني، فهو مفسد للصوم، ولا نعلم في ذلك خلافًا في المذهب، فمن تعمد، فسد صومه، وفسد تتابعه، وعليه إعادة صوم الشهرين من البداية. علمًا بأن مذهب الجمهور أن خروج المذي لا يبطل الصيام، وراجعي الفتوى: 376126.

ويجوز لك تقليد مذهب الجمهور، فإن العامي يجوز له أن يقلّد من يوثَق بعلمه، ودِينه من أهل العلم، ولا يجب عليه تقليد مذهب بعينه، كما سبق في الفتوى: 186941.

ويجب على المكلف تعلم أحكام الصلاة، والصيام، ونحوهما من فروض العين، بقدر الاستطاعة، وانظري الفتويين: 59220، 288304.

وحول مسألة العذر بالجهل، فقد تقدم ضابط ذلك في الفتوى: 19084.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك