حول القدرة المادية المشترطة للزواج وحدُّ الشهوة

Picture of إبراهيم شعبان

إبراهيم شعبان

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
عمري 37 سنة ، ولم أتزوج بعد ، ويعيّرني أصدقائي بذلك مع أنهم هم أيضاً لم يتزوجوا ! وبهذا أجد نفسي بعيداً عن تطبيق هذه السنة الطيبة ، والسبب في ذلك عدم القدرة المالية...

حول القدرة المادية المشترطة للزواج وحدُّ الشهوة

س
عمري 37 سنة ، ولم أتزوج بعد ، ويعيّرني أصدقائي بذلك مع أنهم هم أيضاً لم يتزوجوا ! وبهذا أجد نفسي بعيداً عن تطبيق هذه السنة الطيبة ، والسبب في ذلك عدم القدرة المالية ؛ لأنني قائم على والدتي ، ومضطلع ببعض المهام الأخرى التي تستنزف مالي كله ، وأظن أن هناك حديثاً في البخاري يحث على الزواج طالما توفر في المرء أمران ، القدرة المالية والقدرة الجنسية. ولا أجد إشكالاً في الثانية، وإشكالي فقط متمثل في الجانب المالي ، وهناك حديث أخر ينص على أنه لا بد من الزواج لمن لم يستطع التحكم بشهوته ، لكني محتار بعض الشيء بشأن كل هذه القوانين النبوية . إذ ما الضابط في كل هذا ؟ ومن الذي يقرر الحد الأدنى من القدرة المالية المؤهلة للزواج ؟ ولمن تكون الأولوية في مثل حالتي ، الاعتناء بوالدتي أم الالتفات إلى الزواج؟ وما ضابط الشهوة المُجبِر على الزواج ؟ ولا أنسى أن أذكر هنا بأنني أعيش في مجتمع مادي بحت (المغرب) حيث لا صوت يعلو على صوت المال والمظاهر الزائفة ، فكل من يفكر بالزواج لا بد أن يفكر مسبقاً بنوع السيارة الفارهة التي سيشتريها والبيت المستقل والاحتفال الباذخ..الخ ، وهذه عوامل جعلت الشباب يعزفون عن الزواج .
جــــ

جزاك الله خيرا على ما تقوم به من رعاية والدتك ، والإنفاق عليها ، والقيام بمصالحها ، ونسأل الله سبحانه أن يجعل هذا في ميزان حسناتك يوم أن تلقاه ، وأما عن الزواج فاعلم أن الشريعة المباركة قد أمرت به وحثت عليه ؛ لأنه من سنن النبيين وهدي المرسلين ، قال تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)الرعد/ 38 .
والحديث الذي تسأل عنه هو ما رواه البخاري (5066) ، ومسلم (1400) عن ابن مسعود قَالَ ” ” كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) .
جاء في ” شرح النووي على مسلم “(9 / 173) : ” وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِدٍ أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْجِمَاعُ ، فَتَقْدِيرُهُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْجِمَاعَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنِهِ وَهِيَ مُؤَنُ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْجِمَاعَ ، لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنِهِ ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَعَ شَهْوَتَهُ ، وَيَقْطَعَ شَرَّ مَنِيَّهُ كَمَا يَقْطَعُهُ الْوِجَاءُ ، وَعَلَى هَذَا القول وقع الْخِطَابِ مَعَ الشُّبَّانِ الَّذِينَ هُمْ مَظِنَّةُ شَهْوَةِ النِّسَاءِ ، وَلَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا غَالِبًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْبَاءَةِ مُؤَنُ النِّكَاحِ ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَا يُلَازِمُهَا ، وَتَقْدِيرُهُ : مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ مُؤَنَ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْهَا فَلْيَصُمْ ليدفع شهوته ” انتهى.

فإن كنت مُعْدَما لا تقدر على شيء من نفقات النكاح ، فليس أمامك من خيار إلا الصبر والصوم ، حتى يرزقك الله سبحانه من فضله ، قال تعالى : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) النور/33 .
ولكن الظاهر من كلامك أنك لست بهذه الحالة من الفقر والحاجة ، فأنت تملك مالا لكنه يُنْفَق كله على والدتك وبعض شؤونك الأخرى ، وهنا ينبغي التأمل والنظر :
فإن كانت والدتك تملك مالاً يكفيها ، ففي هذه الحالة لا تلزمك نفقتها ، وحينئذ ينبغي أن توفر مالك لزواجك ، بل يتعين ذلك عليك إذا خفت الوقوع في الحرام .
أما إن كانت أمك لا تملك مالا لنفقتها ، ولم يكن هناك من ينفق عليها غيرك ، بحيث ستتضرر إن تركت الإنفاق عليها ، فهنا تلزمك نفقتها ؛ لأن نفقة الوالدين الفقيرين واجبة على ولدهما الموسر.
والنصيحة لك – في هذه الحالة – أن تحاول أن تجمع بين الحسنيين ، وهما نفقة الأم والزواج ، وذلك بأن تدَّخر من مالك جزءا ولو يسيرا ، يصلح للمهر وتجهيز أمور الزواج في أضيق نطاق ، وقد يكون الاقتراض من أهل الخير والإحسان من الأمور المقترحة في هذه الحالة، لكن بشرط ألا تتوسع في ذلك الاقتراض ، بل تقتصر فيه على أدنى ما يمكن ، حتى لا تحمل نفسك ما لا تطيق ، ولا تشغلها بهم الدين .
ثم عليك بعد ذلك بالمسارعة إلى البحث عن امرأة صالحة زاهدة تبتغي العفاف ، وتصبر على أحوالك ورعاية أمك ، وسوف تجد إن شاء الله ، من أهل الخير من يعينك على مثل هذا الزواج المقتصد الميسور ، متى ما عزمت عليه ، وكنت جادا فيه ؛ مهما يكون من أمر مجتمعك المادي ، فأغلب المجتمعات اليوم كذلك ، لكننا نعلم أيضا : أنه لا يزال يوجد فيها من يسعى إلى العفاف ، ويرضى بالكفاف ، أو ما يقاربه .
وإياك أن تلتفت إلى المظاهر الدُّنيوية الخدَّاعة التي هي من عمل الجاهلية في تعسير أمور الزواج باشتراط المهور الغالية ، والسيارات الفارهة ، والمساكن الفاخرة وغير ذلك ، فكل هذا من عادات الجاهلية ومن تدبير أعداء الله سبحانه ليعسِّروا على الناس سبيل الزواج الشرعي المباح ، فيسهل عليهم بعد ذلك مواقعة الفواحش والرذيلة التي هي أيسر شيء في زماننا هذا والعياذ بالله ، مع ما في ذلك من مخالفة هدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تيسير الزواج وتسهيله على مريده ، فقد صح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : (خير النكاح أيسره) . رواه ابن حبان ، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” (3300) ، وقد سبق الحديث عن موضوع المغالاة في المهور في الفتوى رقم : (87823) .

واعلم أن الراغب في الزواج يبتغي العفاف موعود بالعون من الله تعالى ، قال تعالى : ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)النور/32 ، جاء في ” تفسير الطبري ” (19 / 166) : ” عن ابن عباس ، قوله: ( وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) قال: أمر الله سبحانه بالنكاح ، ورغَّبهم فيه ، وأمرهم أن يزوّجوا أحرارهم وعبيدهم ، ووعدهم في ذلك الغنى ، فقال : ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، وعن عبد الله بن مسعود ، قال: التمسوا الغنى في النكاح ، يقول الله: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ” انتهى باختصار.
وفي ” تفسير القرطبي ” (12 / 241) : ” لَا تَمْتَنِعُوا عَنِ التَّزْوِيجِ بِسَبَبِ فَقْرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، ” إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ “، وَهَذَا وَعْدٌ بِالْغِنَى لِلْمُتَزَوِّجِينَ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ ، وَاعْتِصَامًا مِنْ مَعَاصِيهِ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَجَبِي مِمَّنْ لَا يَطْلُبُ الْغِنَى فِي النِّكَاحِ ” انتهى .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( ثَلاَثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ : الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِى يُرِيدُ الأَدَاءَ ، وَالنَّاكِحُ الَّذِى يُرِيدُ الْعَفَافَ ) رواه الترمذى ( 1655 ) ، وقال : حسن ، والنسائى ( 3120 ) ، وابن ماجه (2518 ) ، وحَّسنه الألباني في “صحيح الترمذي”.

وأما حد الشهوة التي يجب على الرجل معها الزواج ، فهو أن يخشى مواقعة الزنا ، أو مقدماته من النظر أو التقبيل ونحوهما.

والله أعلم.

ذات صلة
حكم الإفرازات البنية التي يصحبها ألم كألم العادة
عمري ١٩سنة ومتزوجة، ومنذ ٤شهور والدورة عندي منتظمة، وبين كل عدة شهور تضطرب، فمرة تأتي متأخرة بعد أسبوع...
المزيد »
حكم تقطع دم النفاس قبل تمام الأربعين
وَلدتُ منذ 35 يوما، والدم أحيانا ينقطع بالأيام، وأحيانا يستمر. وأنا اليوم مسافرة إلى مكة، ويوجد دم. فهل...
المزيد »
الدم الذي تراه المرأة بعد إسقاط الجنين وأثره على الصوم
أنا في رمضان الماضي كنت حاملًا في الشهر الثاني، وكان حملي بنزيف بسبب الحمل فوق اللولب، ولم يستطيعوا إخراج...
المزيد »
حكم معاودة الدم بعد الطهر
أتتني الدورة 7 أيام تقريبا، وفي اليوم التالي لم ينزل شيء مني، فتطهرت وصليت، وبعدها بساعات نزل مني دم...
المزيد »
ما تفعل المرأة إذا زادت عادتها عن خمسة عشر يومًا؟
أنا في حيرة من أمري، فبعد ولادتي استخدمت اللولب، وحصل معي اضطرابات في الدورة، مع العلم أنه تم تركيبه...
المزيد »
أثر استعمال اللولب على العادة الدورية والعبادة
أستخدم مانع حمل، وُضع في الرحم، وعلى إثره أصبحت الدورة الشهرية مدتها طويلة جدا، تصل إلى ثلاثة أسابيع....
المزيد »
الصفرة والكدرة غير المسبوقة بدم الحيض
منذ سنة تقريبًا بدأت أرى قبل الحيض بيوم واحد فقط كدرة يصاحبها ألم، ومغص الدورة العادية، ثم يتبعها في...
المزيد »
بعد الانتهاء من الصلاة وجدت كدرة كثيرة
عند صلاة العصر لاحظت بعض الإفرازات، وكانت ذات لون مختلف عن الإفرازات العادية؛ فاستنجيت، وتحفظت بمنديل،...
المزيد »
ما حكم الصفرة والكدرة والدم العائد بعد الطهر
عندي إشكالية في التفريق بين الحيض، والاستحاضة، وأعاني من هذا الشيء شهرياً، خصوصاً أن معي مشاكل في الغدة،...
المزيد »
حكم الإفرازات البنية وما شابهها بعد مدة العادة بسبب اللولب
أحتاج إلى فتوى شرعية. أنا متزوجة، ودورتي الأصلية 7 أيام، والحمد لله، منتظمة. بعد تركيب اللولب، أجد في...
المزيد »
من نزل منها دم أسود في غير وقت الدورة الشهرية
ينزل مني دم أسود في غير وقت الدورة الشهرية، فهل تجوز الصلاة و الصيام معه؟ وأنا أفقد الإحساس بالخشوع دائمًا،...
المزيد »
حكم الطهر المتخلل للنفاس
ولَدت ولادة قيصرية منذ عشرين يوما تقريبا، وبعد الولادة بخمسة أيام، رأيت علامة الطهر، وصليت يومين. سألنا...
المزيد »
معنى كون الصفرة والكدرة تعد حيضا في مدة العادة
جزاكم الله خير الجزاء على موقعكم الرائع والمفيد: قرأت الكثير من الفتاوى هنا واستفدت ـ ولله الحمد ـ وهناك...
المزيد »
حكم الكدرة بعد الطهر
بعد الاغتسال من الدورة وجدت إفرازا بنيا قليلا عند الذهاب إلى دورة المياه ـ أكرمكم الله ـ وعند المسح لم...
المزيد »
حكم الصفرة المتصلة بالدم إذا تجاوزا خمسة عشر يوما؟
ما هي الحالة التي إذا استمر فيها الدم أو الصفرة المتصلة بالدم لأكثر من 15 يوما تغتسل المرأة وتصلي بعد...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك