حكم من سُئِل بالله فلم يعط

أحبتي: طلب مني أحد المحتاجين الذين نراهم في الأسواق فأعطيته مبلغا من المال 500 ريال يمني، فقال أسألك بالله أن تعطيني 1000 ريال يمني فلم أعطه شيئا. ما حكم ذلك؟ وهو أنه سألني بالله...

حكم من سُئِل بالله فلم يعط

س
أحبتي: طلب مني أحد المحتاجين الذين نراهم في الأسواق فأعطيته مبلغا من المال 500 ريال يمني، فقال أسألك بالله أن تعطيني 1000 ريال يمني فلم أعطه شيئا. ما حكم ذلك؟ وهو أنه سألني بالله ولم أعطه، هل أكون ممن في الحديث الذي في نصه بما معناه (ملعون من لم يجب)؟.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن حكم إجابة السائل بالله قد اختلف فيه أهل العلم هل تجب إجابته أو تستحب، وذلك بناء على قوله صلى الله عليه وسلم: من سألكم بالله فأعطوه… الحديث. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني.

فقد حمل كثير منهم الأمر في الحديث وإجابة السائل بالله على الاستحباب، وردّه على الكراهة؛ قال ابن قدامة في المغني: “وَيُسْتَحَبُّ إجَابَةُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ” وقال ابن مفلح في المبدع “فَرْعٌ: لَا يَلْزَمُهُ إِبْرَارُ قَسَمٍ فِي الْأَصَحِّ، كَإِجَابَةِ سُؤَالٍ بِاللَّهِ” وقال النووي في رياض الصالحين “باب في كراهة أن يسأل الإنسان بوجه الله ـ عز وجل ـ غير الجنة، وكراهة منع من سأل بالله تعالى وتشفع به” وجاء في الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي “ويكره للإنسان أن يسأل بوجه الله غير الجنة، وأن يمنع من سأل بالله، وتشفع به” وقال الشيخ ابن باز في فتاوى نور على الدرب: “إذا كان السائل بالله لا حق له في هذا الشيء فلا حرج في ذلك ـ أي في منعه ـ إن شاء الله؛ إن كان يقول: أسالك بالله أن تعطيني دارك، أو تعطيني سيارتك، أو تعطيني كذا وكذا من المال، هذا لا حق له”. وعلى هذا فإنه لا حرج عليك ولا إثم في منع هذا السائل، وخاصة أنك قد أعطيته قبل السؤال ما تيسر.

وقد حمل بعضهم الإعطاء على الوجوب والمنع على الحرمة، حتى عده من الكبائر؛ جاء في الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي في الكبيرة الثامنة والتاسعة والثلاثين بعد المائة قال: “عَدُّ كُلِّ مِنْ هَذَيْنِ ـ السؤال بالله، ومنع من سأل به ـ كَبِيرَةً وَهُوَ صَرِيحُ اللَّعْنِ عَلَيْهِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَأَنَّ مَنْ سُئِلَ بِاَللَّهِ وَلَا يُعْطِي شَرُّ النَّاسِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ، لَكِنْ لَمْ يَأْخُذْ بِذَلِكَ أَئِمَّتُنَا فَجَعَلُوا كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ مَكْرُوهًا وَلَمْ يَقُولُوا بِالْحُرْمَةِ فَضْلًا عَنْ الْكَبِيرَةِ”، وقال الصنعاني في سبل السلام: “يَجِبُ إعْطَاءُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ بِاَللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ، فَمَنْ سَأَلَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَجَبَ إعْطَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْ إعْطَائِهِ… وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ حَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمُضْطَرُّ”

وفصّل ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ فقال في مجموع فتاواه ورسائله فقال: “الثاني: أن يسأل بالله، فهذا تجيبه وإن لم يكن مستحقا؛ لأنه سأل بعظيم، فإجابته من تعظيم هذا العظيم، لكن لو سأل إثما أو كان في إجابته ضرر على المسؤول، فإنه لا يجاب” ولعل هذا التفصيل هو الراجح ـ إن شاء الله تعالى ـ

وعليه، فكان عليك أن تجيب من سألك بالله إذا لم يكن في إجابته ضرر عليك، أما إذا كان فيها ضرر فإنها لا تجب لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار” رواه مالك في الموطأ.

وما كان ينبغي لهذا السائل أن يسأل بالله في مثل هذه الأمور الدنيوية؛ قال النووي في الأذكار “يُكْرَهُ أَنْ يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ غَيْرُ الْجَنَّةِ رُوِّينَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ جَابِرٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ”

والحديث الذي أشرت إليه رواه الطبراني وغيره ولفظه عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وحسنه الألباني في صحيح الجامع.

وهو محمول على من يسأل من غير حاجة أو يمنع من عذر أو ضرر كما قال بعض أهل العلم؛ جاء في شرح سنن النسائي للوَلَّوِي “يحمل حديث الطبرانيّ على من يسأل بوجه اللَّه تعالى بلا حاجة تدعوه لذلك، وإنما لمجرّد عدم مبالاته بعظمة اسم اللَّه تعالى”.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك