حكم صلاة المأمومين خلف إمام يلحن في الفاتحة

أنا أعيش في بلد آسيوي غير عربي, والإمام لا يحسن قراءة القرآن, ولا يحسن قراءة الفاتحة بسبب عجمة اللسان, ويقرأ في خطبة الجمعة الفاتحة وسورة, أو يردد كلمات يحفظها, ولصعوبة اللغة عليهم لا يحسنها...

حكم صلاة المأمومين خلف إمام يلحن في الفاتحة

س
أنا أعيش في بلد آسيوي غير عربي, والإمام لا يحسن قراءة القرآن, ولا يحسن قراءة الفاتحة بسبب عجمة اللسان, ويقرأ في خطبة الجمعة الفاتحة وسورة, أو يردد كلمات يحفظها, ولصعوبة اللغة عليهم لا يحسنها حتى يضيع المعنى, فما أفعل في صلاة الجمعة؟ فأنا أعيد الجمعة ظهرًا بعد الصلاة معهم, وهل تجب عليّ الجمعة والحال كذلك؟
جــــ

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد:

فاللحن في الفاتحة: إن كان يغير المعنى: لم تصح الصلاة على تفصيل ذكرناه في الفتوى رقم: 186469 عن حدّ اللحن في الفاتحة الذي يبطل الصلاة, فإذا كان الإمام المشار إليه يلحن في الفاتحة لحنًا لا تصح معه الصلاة فإنه لا يخلو حاله من أمرين:

الأول: أن يكون عاجزًا عن تصحيح الخطأ بسبب عجمته, أو عدم وجود من يعلمه, وفي هذه الحال فإن صلاته في نفسه صحيحة, وقد نص الفقهاء على صِحَّةِ صَلَاةِ اللَّاحِنِ فِي الْفَاتِحَةِ عَجْزًا عَنْ تَعَلُّمِ الصَّوَابِ لِعَدَمِ مُعَلِّمٍ, أَوْ ضِيقِ وَقْتٍ, مَعَ قَبُولِ التَّعَلُّمِ لَهُ, كما في الفواكه الدواني للنفراوي المالكي.

ولكن اختلف الفقهاء في صحة صلاة من اقتدى به ممن يحسن الفاتحة, فذهب بعضهم إلى عدم صحتها, وذهب آخرون إلى صحتها مع الكراهة, جاء في الموسوعة الفقهية: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ, وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ بِأَلْكَنَ يَتْرُكُ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ أَوْ يُبْدِلُهُ بِغَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ …. وَيَرَى هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الأْلْكَنَ إِنْ تَمَكَّنَ مِنْ إِصْلاَحِ لِسَانِهِ وَتَرَكَ الإْصْلاَحَ وَالتَّصْحِيحَ فَصَلاَتُهُ فِي نَفْسِهِ بَاطِلَةٌ، فَلاَ يَجُوزُ الاِقْتِدَاءُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الإْصْلاَحِ وَالتَّصْحِيحِ: بِأَنْ كَانَ لِسَانُهُ لاَ يُطَاوِعُهُ، أَوْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ قَبْل ذَلِكَ فَصَلاَتُهُ فِي نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ، فَإِنِ اقْتَدَى بِهِ مَنْ هُوَ فِي مِثْل حَالِهِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ لإِنَّهُ مِثْلُهُ فَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ …. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ صِحَّةَ الاِقْتِدَاءِ بِالأْلْكَنِ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ إِلاَّ أَنَّهُ قَيَّدَ صِحَّةَ الاِقْتِدَاءِ بِهِ بِأَنْ لَمْ يُطَاوِعْهُ لِسَانُهُ، أَوْ طَاوَعَهُ وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ التَّعَلُّمُ، وَإِلاَّ فَلاَ يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ بِهِ. اهــ

الثاني: أن يكون قادرًا على تصحيح الخطأ, ولكنه لم يفعل, فهذا لا تصح صلاته كما قدمنا, وقال النووي – رحمه الله تعالى -: من لا يحسن الفاتحة بكمالها – سواء كان لا يحفظها, أو يحفظها كلها إلا حرفًا, أو يخفف مشددًا لرخاوة في لسانه, أو غير ذلك, وسواء كان ذلك لخرس أو غيره – فهذا الأمي والأرت والألثغ إن كان تمكَّن من التعلم فصلاته في نفسه باطلة، فلا يجوز الاقتداء به بلا خلاف، وإن لم يتمكن بأن كان لسانه لا يطاوعه, أو كان الوقت ضيقًا ولم يتمكن قبل ذلك فصلاته في نفسه صحيحة، فإن اقتدى به من هو في مثل حاله فصلاته صحيحة بالاتفاق. اهــ

إذا تبين لك هذا – أخي السائل – فاعلم أنه ينبغي لك أولًا أن تعلم ذلك الإمام القراءة الصحيحة, والدين النصيحة كما صح بذلك الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم, فإن تعذر تعليمه فاسع لاستبداله بغيره ممن تصح قراءته, فإن تعذر ذلك فإن صحة صلاتك خلفه محل خلاف كما رأيت, والأحوط أن تبحث عن مسجد آخر تصلي فيه الجمعة, فإن لم تجد مسجدًا آخر تقام فيه الجمعة: فعلى قول الجمهور القائلين بعدم صحة الصلاة خلفه فإنك تصلي الظهر, ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

وأما إن كان لحنه لا يبطل الصلاة فالصلاة خلفه صحيحة, وليس لحنه في الخطبة عذرًا يبيح التخلف عنها, كما بيناه في الفتوى رقم: 71899 وقد جاء في فتاوى عليش المالكي – رحمه الله تعالى -: اللَّحْنُ فِي الْخُطْبَةِ لَيْسَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ, وَلَا مُوجِبًا لِعَزْلِ الْخَطِيبِ … اهــ .

وانظر الفتوى رقم: 127805 عن أركان خطبة الجمعة, والفتوى رقم: 160335 عن مدى وجوب الجمعة على المقيم غير المستوطن, والفتوى رقم: 193377 عن مذاهب العلماء في إقامة الجمعة للمقيمين غير المستوطنين.

والله تعالى أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك