حكم سرد الصوم وتصدق من عليه دين وكيفية حساب ثلث الليل الأخير

جزاكم الله خيرا على هذا الموقع الرائع. السؤال الأول: هل يجوز الصوم يوميا من أجل تأديب النفس؟ علما بأني لست متزوجا. وكيف تكون الموازنة بين حديث: (يا معشر الشباب من استطاع ....) وقصة: (من...

حكم سرد الصوم وتصدق من عليه دين وكيفية حساب ثلث الليل الأخير

س
جزاكم الله خيرا على هذا الموقع الرائع. السؤال الأول: هل يجوز الصوم يوميا من أجل تأديب النفس؟ علما بأني لست متزوجا. وكيف تكون الموازنة بين حديث: (يا معشر الشباب من استطاع ....) وقصة: (من يصوم ولا يفطر، ويقوم ولا ينام) السؤال الثاني: لا أذكر الحديث بدقة, ولكن أذكر معناه: (أن الله يتجلى في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ وهل من مستغفر فأغفر له؟) فهل الثلث الأخير من الليل يحسب من المغرب إلى الفجر؟ وهل يكون ذلك على توقيت مكة أم توقيت مكان إقامتي؟ علما أني أقيم في السويد. السؤال الأخير: صديقي يحب أن يتصدق، ولكن عليه دين, فما هو الأفضل في حقه؟ بمعنى أفضل: هل يجوز أن يتصدق من عليه دين؟
جــــ

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه, أما بعد:

فسرد الصيام يوميًّا مع إفطار الأيام المنهي عن صيامها كيومي العيد وأيام التشريق, لا بأس به في قول كثير من الفقهاء, وأما صيام كل الأيام حتى الأيام المنهي عن صيامها, فهذا لا يجوز. وانظر التفصيل في الفتوى رقم: 23939.

وقولك: كيف الموازنة بينهما، إن كنت تعني: الجمع بين حديث: (يا معشر الشباب …) وبين قصة من يصوم ولا يفطر, فاعلم أن حديث: (يا معشر الشباب) ليس فيه بيان مشروعية سرد الصيام، وأما قصة من يصوم ولا يفطر فلعلك تعني بها: حديث أنس بن مالك – رضى الله عنه – يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم – يسألون عن عبادة النبي – صلى الله عليه وسلم – فلما أخبروا كأنهم تقالوها! فقالوا: وأين نحن من النبي – صلى الله عليه وسلم -؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا: فإني أصلى الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد, وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» رواه البخاري، أو تعني: حديث عبد الله بن عمرو فقد جاء فيه أنه كان يسرد الصوم: “بَلَغَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ” كما في البخاري، وفي بعضها: “قُلْتُ: إِنِّي أَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ. قَالَ: فَقَالَ لِي: صُمْ وَأَفْطِرْ” كما في مسند أحمد، وحمله العلماء على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علم أنه سيضعف عن الصيام، واستدلوا على جواز سرد الصيام بحديث حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: صُمْ إِنْ شِئْتَ, وَأَفْطِرْ إِنْ شِئْتَ. رواه الشيخان. قال النووي -رحمه الله تعالى-:
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهِ؛ فَذَهَبَ أَهْل الظَّاهِر إِلَى مَنْع صِيَام الدَّهْر, نَظَرًا لِظَوَاهِر هَذِهِ الْأَحَادِيث، قَالَ الْقَاضِي, وَغَيْره: وَذَهَبَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء إِلَى جَوَازه إِذَا لَمْ يَصُمْ الْأَيَّام الْمَنْهِيَّ عَنْهَا وَهِيَ الْعِيدَانِ وَالتَّشْرِيق، وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ, وَأَصْحَابه: أَنَّ سَرْد الصِّيَام إِذَا أَفْطَرَ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيق لَا كَرَاهَة فِيهِ، بَلْ هُوَ مُسْتَحَبّ بِشَرْطِ أَلَّا يَلْحَقَهُ بِهِ ضَرَرٌ، وَلَا يُفَوِّتَ حَقًّا، فَإِنْ تَضَرَّرَ أَوْ فَوَّتَ حَقًّا فَمَكْرُوه، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ حَمْزَة بْن عَمْرو، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم أَنَّهُ قَالَ: “يَا رَسُول اللَّه, إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ, أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: إِنْ شِئْت فَصُمْ”. وَلَفْظ رِوَايَة مُسْلِم: فَأَقَرَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَرْد الصِّيَام، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يُقِرَّهُ، لَا سِيَّمَا فِي السَّفَر، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن عُمَر بن الْخَطَّاب أَنَّهُ كَانَ يَسْرُد الصِّيَام، وَكَذَلِكَ أَبُو طَلْحَة, وَعَائِشَة, وَخَلَائِق مِنْ السَّلَف، قَدْ ذَكَرْت مِنْهُمْ جَمَاعَة فِي شَرْح الْمُهَذَّب فِي بَاب صَوْم التَّطَوُّع، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث: (لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَد) بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدهَا: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى حَقِيقَته بِأَنْ يَصُوم مَعَهُ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيق، وَبِهَذَا أَجَابَتْ عَائِشَة -رَضِيَ اللَّه عَنْهَا-. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِهِ أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا، وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ النَّهْي كَانَ خِطَابًا لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم عَنْهُ أَنَّهُ عَجَزَ فِي آخِر عُمُرِهِ, وَنَدِمَ عَلَى كَوْنه لَمْ يَقْبَل الرُّخْصَة، قَالُوا: فَنَهْي اِبْنِ عَمْرٍو كَانَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَعْجِزُ, وَأَقَرَّ حَمْزَة بْن عَمْرو لِعِلْمِهِ بِقُدْرَتِهِ بِلَا ضَرَرٍ. اهــ.

وانظر الفتوى رقم: 212974 عن تأديب النفس على التفريط بالتزام عبادة معينة.. رؤية شرعية.

وحديث: “يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ, فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟” هو حديث صحيح رواه الشيخان، وأما كيفية حساب ثلث الليل: فهذا يمكن معرفته بحيث يقسم الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر ثلاثة أقسام في المكان الذي تقيم فيه, لا على حساب توقيت مكة، فإذا مضى القسمان الأولان وهما ثلثا الليل, فإن القسم الثالث هو الثلث الأخير، فمثلا: إذا كان طول الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر اثنتي عشر ساعة, فثلث الليل الآخر أربع ساعات قبل الفجر, وإذا كان الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر تسع ساعات, فثلث الليل الأخير ما قبل الفجر بثلاث ساعات.

وأما هل يتصدق من عليه دين؟ قال الشيخ/ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-:
إذا كان الدين يستغرق جميع ما عنده, فإنه ليس من الحكمة, ولا من العقل أن يتصدق ـ والصدقة مندوبة, وليست بواجبة ـ ويدع دينا واجبا عليه، فليبدأ أولا بالواجب, ثم يتصدق. وقد اختلف أهل العلم فيما إذا تصدق وعليه دين يستغرق جميع ماله؛ فمنهم من يقول: إن ذلك لا يجوز له؛ لأنه إضرار بغريمه، وإبقاء لشغل ذمته بهذا الدين الواجب. ومنهم من قال: إنه يجوز، ولكنه خلاف الأولى، وعلى كل حال؛ فلا ينبغي للإنسان الذي عليه دين يستغرق جميع ما عنده أن يتصدق حتى يوفي الدين؛ لأن الواجب مقدم على التطوع … اهــ.

وفي فتاوى ابن الصلاح -رحمه الله تعالى-: مسألة: سئل رضي الله عنه: إذا كان عليه دين يزيد على يساره, هل يجوز أن يتصدق تطوعا فيه؟ فقال: يجوز, والأولى أن لا يفعل, ويصرف المال إلى دينه؛ لأن أداءه واجب عليه. وفي المهذب أنه لا يجوز. اهــ.

وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف نقلًا عن الإمام أحمد: وَسَأَلَهُ جَعْفَرٌ: من عليه دَيْنٌ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ؟ قال: الشَّيْءِ الْيَسِيرِ, وَقَضَاءُ دَيْنِهِ أَوْجَبُ عليه. قُلْت: وَهَذَا الْقَوْلُ هو الصَّوَابُ. اهــ.

والله تعالى أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك