حكم تحويل المسجد إلى جمعية خيرية

الفاضل الخليل فضيلة الشيخ الأستاذ/ أهل الذكر حفظكم الله ورعاكم السؤال: هل يجوز تحويل مسجد أهل السنة والجماعة من (مسجد كوقف) إلى جمعية خيرية للمسلمين عامة، وللعلم أن هذا المسجد الوحيد لكثير من المسلمين...

حكم تحويل المسجد إلى جمعية خيرية

س
الفاضل الخليل فضيلة الشيخ الأستاذ/ أهل الذكر حفظكم الله ورعاكم السؤال: هل يجوز تحويل مسجد أهل السنة والجماعة من (مسجد كوقف) إلى جمعية خيرية للمسلمين عامة، وللعلم أن هذا المسجد الوحيد لكثير من المسلمين في منطقة كبيرة قي بلد المهجر والمسلمون انقسموا إلى فريقين قسم أكبر يريده مسجدا حتى لا تسقط الفرائض والآخر الفريق الأقلية يريده جمعية خيرية، الآن هو مسجد وقف إسلامي برعاية أهل السنة والجماعة والفئة القليلة التي تريد أن تحول المسجد إلى جمعية خيرية رفعوا قضية في المحكمة العليا ضد إخوانهم المسلمين القائمين على الوقف المسجد وخسائر المدافع والمهاجم تقريبا عشرة آلاف دولار والجاي أكثر ربما تصل الخسائر بين الطرفين خمسين ألف دولار أتعاب المحامين، وحاول كثير من أهل الخير المسلمين لتصفية الأجواء ولكن كان رفضا شديدا من الفئة القليلة أصحاب فكرة الجمعية الخيرية... الله المستعان؟ مع أجمل التحيات.. وجزاكم الله كل خير على الدوام.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فكان على المسلمين في بلاد المهجر أن لا يكونوا في مثل هذا الجو الذي ذكرت عنه ما ذكرت من الصراع والنزاع، وإنما الواجب أن يقدموا المصالح العليا وخدمة الدين على طاعة الشيطان فيما يريده لهم من التفرقة والفشل، ثم إنه من الخطأ الكبير أن يرفع المسلمون قضية كهذه أمام محكمة تعمل بالقوانين الوضعية، ويدفعوا في الخصام عليها ما ذكرته من المال، فهذه -في الحقيقة- أخطاء كبيرة يجب على كلا الطرفين أن يتوبوا إلى الله منها، وأن يعودوا إلى تحكيم شرع الله فيما شجر بينهم.

وفيما يتعلق بموضوع السؤال فالذي عليه جمهور أهل العلم -في الجملة- هو أن الوقف يجب أن يظل باقياً على الكيفية التي أوقف بها، فلا يباع ولا يتصرف فيه بما يخرجه عن الوجه الذي أوقف عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه لما استأمره عمر رضي الله عنه في شأن أرض له بخيبر: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق بها عمر، أنها لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب. متفق عليه.

وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم جواز استبدال الوقف بغيره إذا كان عقاراً، ولو لم يعد منتفعاً به، أخذاً بعموم هذا الحديث، وإن كانت لبعضهم بعض الاستثئاءات في حالات نادرة، جاء في الموسوعة الفقهية: معنى اندراس الوقف أنه أصبح بحالة لا ينتفع به بالكلية، بأن لا يحصل منه شيء أصلاً أو لا يفي بمئونته، كأوقاف المسجد إذا تعطلت وتعذر استغلالها، ففي هذه الصورة جوز جمهور الحنفية الاستبدال على الأصح عندهم إذا كان بإذن القاضي ورأيه لمصلحة فيه. وأما المالكية فقد أجاز جمهورهم استبدال الوقف المنقول فقط إذا دعت إلى ذلك مصلحة، وهي الرواية المشهورة عن مالك… وأما العقار فقد منع المالكية استبداله مع شيء من التفصيل… وأما الشافعية فقد شددوا كثيراً على استبدال العين الموقوفة حتى أوشكوا أن يمنعوه مطلقاً خشية ضياع الوقف أو التفريط فيه.. انتهى.

وللإمام أحمد رواية أخرى وهو أنه لا يجوز بيعه ولا استبداله بغيره إلا أن تتعطل منافعه بالكلية، ولا يمكن الانتفاع به ولا تعميره وإصلاحه، أو دعت المصلحة إلى ذلك. والدليل على ذلك ما فعله عمر رضي الله عنه حين بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب فكتب إلى سعد أن أنقل المسجد الذي بالتمارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد. وكان هذا العمل بمشهد من الصحابة فلم ينكر، فهو كالإجماع، وقد ذهب إلى هذا القول الأخير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بل ذهب إلى أبعد منه حيث يقول: ومع الحاجة يجب إبدال الوقف بمثله، وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة.

ولا شك أن هذا القول هو الوسط الذي يراعي المصالح، ومن هذه النصوص يتبين أن إبدال الوقف بلا حاجة أو لمصلحة غير راجحة لم يقل به أحد من أهل العلم، وعليه فتحويل المسجد المذكور إلى جمعية خيرية مع أنه هو المسجد الوحيد للمسلمين في المنطقة، لا يصح على أي من أقوال أهل العلم، وخصوصاً إذا كان تحويله سيؤدي إلى تعطيل الفرائض كما دل عليه السؤال، ثم اعلم أن الأمور الشرعية لا ينظر فيها إلى قول الأكثرية أو الأقلية، وإنما ينظر فيها إلى الحكم الشرعي، وعلى الجميع أن يرضوا به ويسلموا تسليماً، قال الله تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا {النساء:65}، ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين في سائر البلاد.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك