حكم انتساب العبد لسيده، وحكم وصية السيد لعبده

اشترى جدي عبدًا، وقبل أن يموت أوصى بأن يحمل اسمه، ويقاسم أولاده تركته - كأنه ولده – ونحن نعد أحفاد العبد الآن أبناء عمومتنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، ونتقاسم معهم الأرض، وجدنا...

حكم انتساب العبد لسيده، وحكم وصية السيد لعبده

س
اشترى جدي عبدًا، وقبل أن يموت أوصى بأن يحمل اسمه، ويقاسم أولاده تركته - كأنه ولده – ونحن نعد أحفاد العبد الآن أبناء عمومتنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، ونتقاسم معهم الأرض، وجدنا أصبح جدهم، ونستحيي الآن أن نذكرهم بحقيقتهم، وإذا مازحهم أي شخص بذلك يغضبون، بل أصبحت هوياتهم وأوراقهم الرسمية في الدولة تدل على أنهم أبناء عمومتنا، ويحملون لقب جدي في أوراقهم الحكومية، مثل: جواز السفر، وبطاقة الهوية، وغيرها، فهل هذا جائز؟ وكيف نتصرف الآن إذا كان هذا الأمر غير جائز - جزاكم الله خيرًا -؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنقول ابتداء: ما تدعيه من أن من يُعتبرون أولاد عمومتكم الآن هم أولاد عبد جدك في الحقيقة، هذا يحتاج إلى إقامة بينة، إن كان أولئك لا يقرون بأنهم كذلك؛ لأن الناس مؤتمنون على أنسابهم، فإن أنكروا كون جدهم كان عبدًا لجدك، وقالوا: إنه ابنه حقيقة، وأنهم من عمومتكم لم يقبل قولك دون إقامة بينة, وإن ثبت أنهم كما قلت، فإننا سنتطرق في جوابنا إلى مسألتين:

أولهما: حكم وصية جدك لعبده من حيث صحة الوصية أو عدمها.

وثانيهما: حكم انتسابهم إلى جدك.

فأما وصية جدك لعبده: فهذه يُنظر فيها إلى حال ذلك العبد حين الوصية، فإن كان حرًّا حين الوصية – أي: أن جدك أعتقه، ثم أوصى له – فهذه وصية لحر غير وارث، ولا إشكال فيها، فتمضى في حدود الثلث فقط، وما زاد عن الثلث لا يمضى إلا برضا الورثة.

وإن كان الموصى له عبدًا حين الوصية – أي: أن جدك أوصى له، وهو قن – فإن هذه وصية من سيد لعبده، ويجري فيها خلاف الفقهاء فيمن أوصى لعبده, جاء في الموسوعة الفقهية: وَإِنْ أَوْصَى السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ مَالِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِذَلِكَ صَحِيحَةٌ، وَتُصْرَفُ جَمِيعُهَا إِلَى عِتْقِ الْعَبْدِ، فَإِنْ خَرَجَ الْعَبْدُ مِنَ الْوَصِيَّةِ عَتَقَ، وَاسْتَحَقَّ بَاقِيَهَا بَعْدَ قِيمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُسْتَسْعَى بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ عَلَى الرِّقِّ, وَوَجْهُ الصِّحَّةِ: أَنَّ الْجُزْءَ الشَّائِعَ يَتَنَاوَل الْعَبْدَ لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الثُّلُثِ الشَّائِعِ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُ بِنَفْسِهِ تَصِحُّ وَيَعْتِقُ، وَمَا فَضَل يَسْتَحِقُّهُ لإِنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا فَيَمْلِكُ بِالْوَصِيَّةِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَال: أَعْتِقُوا عَبْدِي مِنْ ثُلُثِي، وَأَعْطُوهُ مَا فَضَل مِنْهُ, وَالأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ رَقَبَتِهِ، وَمِنْ سَائِرِ التَّرِكَةِ.
وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِمُعَيَّنٍ – كَثَوْبٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ مَثَلاً – فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ؛ لإِنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ، فَمَا وَصَّى لَهُ بِهِ يَكُونُ مِلْكًا لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ أَوْصَى لِلْوَرَثَةِ بِمَا يَرِثُونَهُ, وَقَال مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: تَصِحُّ. اهــ.

وأما وصيته بأن يحمل اسمه: إن كنت تعني أن يُنسب إليه: فهذا لا يجوز؛ للأحاديث الكثيرة الدالة على تحريم الانتساب إلى غير الأب، كقول النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ. متفق عليه. وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ … الحديث رواه البخاري, وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ ادَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ، يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ. متفق عليه، وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : … وَمَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا … الحديث رواه مسلم، فلا يجوز نسبة ذلك العبد إلى سيده.

وأما كيف تتصرفون الآن: فإنه ينبغي لكم نصح أولئك الأولاد والأحفاد، بأن ينتسبوا إلى أبيهم الحقيقي، لا إلى جدكم, ويجب عليهم تغيير هذا المنكر، واستبدال تلك المستندات الرسمية التي ينسبون فيها إلى غير أبيهم بأخرى ينسبون فيها إلى أبيهم, وعليكم أن تنصحوهم فإن الدين النصيحة.

والله تعالى أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك