حكم العتيرة أو الرجبية ومدى صحة الحديث الوارد فيها

أفيدوني عن صحة هذا الحديث: عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ...

حكم العتيرة أو الرجبية ومدى صحة الحديث الوارد فيها

س
أفيدوني عن صحة هذا الحديث: عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةٌ وَعَتِيرَةٌ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ، هِيَ الَّتِي تُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ. أخرجه البيهقي (9/260 ، رقم 18789) . وأخرجه أيضًا : أحمد (4/215 ، رقم 17920) ، وأبو داود (3/93 ، رقم 2788) والترمذي (4/99 ، رقم 1518) والنسائي (7/167 ، رقم 4224) وابن ماجه (2/1045 ، رقم 3125). وصححه الألباني.صحيح سنن الترمذي.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

أما بعد، فقد اختلفت أقوال أهل العلم في صحة هذا الحديث وضعفه، فقد قال الإمام الترمذي بعد أن روى هذا الحديث بإسناده إلى مخنف بن سليم رضي الله عنه: قَالَ أَبُوعِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَلاَ نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

وكذلك صحح الشيخ الألباني حديث الإمام الترمذي، بينما ضعفه الإمام الخطابي والإمام أبو بكر المعافري.

قال الإمام النووي في شرح صحيح الإمام مسلم: وَالْعَتِيرَة: ذَبِيحَة كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي الْعَشْر الْأُوَل مِنْ رَجَب وَيُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّة أَيْضًا.

وعلى القول بصحة الحديث، فقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه منسوخ بغيره من الأحاديث، وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: لاَ فَرَعَ وَلاَ عَتِيرَةَ.

ومذهب الشافعية-كما حققه الإمام النووي في شرح صحيح مسلم- استحباب الفرَع والعتيرة، وقال إنه نصُّ الإمام الشافعي، وسيأتي توضيح ذلك.

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: قَالَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: الْفَرَع شَيْء كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَة فِي أَمْوَالهمْ، فَكَانَ أَحَدهمْ يَذْبَح بِكْر نَاقَته أَوْ شَاته، فَلَا يَغْذُوهُ رَجَاء الْبَرَكَة فِيمَا يَأْتِي بَعْده، فَسَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَقَالَ: فَرِّعُوا إِنْ شِئْتُمْ أَيْ اِذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة خَوْفًا أَنْ يُكْرَه فِي الْإِسْلَام، فَأَعْلَمهُمْ أَنَّهُ لَا كَرَاهَة عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَأَمَرَهُمْ اِسْتِحْبَابًا أَنْ يُغْذُوهُ ثُمَّ يُحْمَل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه. قَالَ الشَّافِعِيّ: وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْفَرَع حَقّ. مَعْنَاهُ: لَيْسَ بِبَاطِلٍ، وَهُوَ كَلَام عَرَبِيّ خَرَجَ عَلَى جَوَاب السَّائِل. قَالَ: وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة. أَيْ لَا فَرَع وَاجِب، وَلَا عَتِيرَة وَاجِبَة، قَالَ: وَالْحَدِيث الْآخَر يَدُلّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ أَبَاحَ لَهُ الذَّبْح، وَاخْتَارَ لَهُ أَنْ يُعْطِيه أَرْمَلَة أَوْ يَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه، قَالَ: وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَتِيرَة: اِذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيّ شَهْر كَانَ. أَيْ اِذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ، وَاجْعَلُوا الذَّبْح لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْر كَانَ لَا أَنَّهَا فِي رَجَب دُون غَيْره مِنْ الشُّهُور، وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا وَهُوَ نَصّ الشَّافِعِيّ اِسْتِحْبَاب الْفَرَع وَالْعَتِيرَة وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث: لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة بِثَلَاثَةِ أَوْجُه:

أَحَدهَا: جَوَاب الشَّافِعِيّ السَّابِق أَنَّ الْمُرَاد نَفْي الْوُجُوب.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَاد نَفْي مَا كَانُوا يَذْبَحُونَ لِأَصْنَامِهِمْ.

وَالثَّالِث: أَنَّهُمَا لَيْسَا كَالْأُضْحِيَّةِ فِي الِاسْتِحْبَاب أَوْ فِي ثَوَاب إِرَاقَة الدَّم. فَأَمَّا تَفْرِقَة اللَّحْم عَلَى الْمَسَاكِين فَبِرّ وَصَدَقَة، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي سُنَن حَرْمَلَة أَنَّهَا إِنْ تَيَسَّرَتْ كُلّ شَهْر كَانَ حَسَنًا. هَذَا تَلْخِيص حُكْمهَا فِي مَذْهَبنَا. وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ جَمَاهِير الْعُلَمَاء عَلَى نَسْخ الْأَمْر بِالْفَرَعِ وَالْعَتِيرَة. وَاللَّهُ أَعْلَم. اهـ.

وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: … وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث الْحَارِث بْن عَمْرو أَنَّهُ لَقِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع، فَقَالَ رَجُل: يَا رَسُول اللَّه الْعَتَائِر وَالْفَرَائِع؟ قَالَ: مَنْ شَاءَ عَتَّرَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُعَتِّر، وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّع. وَهَذَا صَرِيح فِي عَدَم الْوُجُوب لَكِنْ لَا يَنْفِي الِاسْتِحْبَاب وَلَا يُثْبِتهُ، فَيُؤْخَذ الِاسْتِحْبَاب مِنْ حَدِيث آخَر. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي الْعُشَرَاء عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْعَتِيرَة فَحَسَّنَهَا. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان مِنْ طَرِيق وَكِيع بْن عُدَيْس عَنْ عَمّه أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيّ قَالَ: قُلْت: يَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا كُنَّا نَذْبَح ذَبَائِح فِي رَجَب فَنَأْكُل وَنُطْعِم مَنْ جَاءَنَا، فَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ. قَالَ وَكِيع بْن عُدَيْس: فَلَا أَدْعُهُ وَجَزَمَ أَبُو عُبَيْد بِأَنَّ الْعَتِيرَة تُسْتَحَبّ، وَفِي هَذَا تَعَقُّب عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ اِبْن سِيرِينَ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ. وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ اِبْن عَوْن أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلهُ، وَمَالَ اِبْن الْمُنْذِر إِلَى هَذَا وَقَالَ: كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَلهُمَا وَفَعَلَهُمَا بَعْض أَهْل الْإِسْلَام بِالْإِذْنِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُمَا، وَالنَّهْي لَا يَكُون إِلَّا عَنْ شَيْء كَانَ يُفْعَل، وَمَا قَالَ أَحَد إِنَّهُ نَهَى عَنْهُمَا ثُمَّ أَذِنَ فِي فِعْلهمَا ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْعُلَمَاء تَرْكهمَا إِلَّا اِبْن سِيرِينَ، وَكَذَا ذَكَرَ عِيَاض أَنَّ الْجُمْهُور عَلَى النَّسْخ، وَبِهِ جَزَمَ الْحَازِمِيّ، وَمَا تَقَدَّمَ نَقْله عَنْ الشَّافِعِيّ يَرُدّ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظ لَهُ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ عَائِشَة أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَرَعَةِ فِي كُلّ خَمْسِينَ وَاحِدَة. اهـ.

ولمزيد بيان انظر الفتويين: 124541، 124542.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك