حكم الأكل من طعام من دخل في مضاربة فاسدة

شارك الوالدان في مضاربة مع شخص يأخذ أموالهما عندما تتوفر لديه صفقة مثلا, فيأخذ المال ويشتري به بضاعة وبعد سنة يعطيهما أرباحهما، ولم أطلع على العقد، ويرفضون إطلاعي عليه وسؤال الشيوخ عنه، وقد تم...

حكم الأكل من طعام من دخل في مضاربة فاسدة

س
شارك الوالدان في مضاربة مع شخص يأخذ أموالهما عندما تتوفر لديه صفقة مثلا, فيأخذ المال ويشتري به بضاعة وبعد سنة يعطيهما أرباحهما، ولم أطلع على العقد، ويرفضون إطلاعي عليه وسؤال الشيوخ عنه، وقد تم إيقاف المضاربة الآن ـ ولله الحمد ـ وصيغة العقد على حد علمي هي: الربح نسبة من رأس المال مثلا: 10%، وقد تزيد، لكنني لا أدري عن النقص حيث أسمع تناقضا في كلامهما عن العقد وقد تكون النسبة تقريبية وليست محددة, سألت أحد الشيوخ فقال لي إن العقد فاسد وتجب التوبة وتعديل صيغة العقد، فرفض أحد الوالدين ذلك وسؤالي جزاكم الله الجنة ووالديكم: هل يجوز الأكل إن كان كل المال أرباحا أو رأس مال؟ وهل يجوز الأكل إن كان يوجد دخل آخر من الحلال؟ وما الأولى فعله إن كنت أستطيع الإنفاق على نفسي؟ وهل يضر بكاء الأم وغضبها وسخطها علي إن تعففت؟ وهل يجب علي إخبار الوالد بحكم المال أو العقد إن كان سيغضب غضبا شديدا جدا... نعم، الله أحق أن نخشاه، فما هو التوجيه؟.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا يحل للمسلم أن يدخل في معاملة لا يعلم حلها من حرمتها، وقد كان عمر ـ رضي الله عنه ـ يطوف في السوق ويقول: لا يبع في سوقنا إلا من يفقه.

أما عن المضاربة المذكورة: فلم تتضح بما فيه الكفاية، لكن إذا كان الربح في المضاربة نسبة من رأس المال، فإنها مضاربة فاسدة، لأن شرط المضاربة الصحيحة أن يكون الربح نسبة من الأرباح لا من رأس المال، وحيث إن رأس مال المضاربة معلوم، فإن النسبة منه معلومة، سواء كانت ثابتة (10%) أم اتفقا على تغييرها، فهذا مبلغ معلوم مقطوع فلا تصح المضاربة باشتراطه.

قال الموفق في المغني: وجملته أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة، أو جعل مع نصيبه دراهم، مثل أن يشترط لنفسه جزءا وعشرة دراهم، بطلت الشركة. اهـ

قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة وممن حفظنا ذلك عنه مالك والأوزاعي والشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي. اهـ

وانظر في تقرير هذا الحكم ومزيد بيان له الفتاوى: 72539، 211363، 104356.

فهذه مضاربة فاسدة يجب أن تفسخ، وإن أرادوا بعد ذلك إنشاء مضاربة صحيحة فيعاد العقد بصيغة صحيحة تكون حصة الطرفين نسبة من الأرباح دون ضمان من المضارب ما لم يفرط أو يعتدي، مع مراعاة سائر شروط صحة المضاربة التي سبق وبيناها مفصلة في الفتاوى: 206356، 1873، 63918، 72143، 72779.

وحكم المضاربة الفاسدة إن حصلت أن الأرباح تكون خالصة لمالك رأس المال ـ الوالدين ـ وللعامل أجرة المثل أو قراض المثل خلاف بين أهل العلم، قال ابن عاصم الغرناطي في التحفة:
وأجر مثل أو قراض مثل لعامل عند فساد الأصل.

وانظر لمزيد معرفة عن أحكام المضاربة الفاسدة الفتويين: 78071، 170655، وما أحيل عليه فيهما.

فإذا تقرر ذلك عرفت أن الأرباح التي تعطى لوالديك من المضاربة الفاسدة في نهاية السنة فضلا عن رأس المال ليست من الحرام، فلا نرى مسوغا للتعفف عن هذا المال إن كان الأمر كما ذكرت، سواء في ذلك رأسه وأرباحه، وأما بيان الحكم الشرعي للوالد فواجب إن لم يبينه سواك، لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جاء في الموسوعة الفقهية: أجمع الفقهاء على أن للولد الاحتساب عليهما، لأن النصوص الواردة في الأمر والنهي مطلقة تشمل الوالدين وغيرهما، ولأن الأمر والنهي لمنفعة المأمور والمنهي، والأب والأم أحق أن يوصل الولد إليهما المنفعة. اهـ

وأما أسلوب الإنكار مع الوالدين: ففيه تفصيل بينه أهل العلم، ففي الموسوعة الفقهية: ولكن لا يتجاوز مرتبتي التعرف والتعريف. اهـ

قال صاحب نصاب الاحتساب: السنة في أمر الوالدين بالمعروف أن يأمرهما به مرة، فإن قبلا فبها، وإن كرها سكت عنهما واشتغل بالدعاء والاستغفار لهما، فإنه تعالى يكفيه ما يهمه من أمرهما. اهـ

ويسلك في ذلك سبيل اللطف والرفق واللين، قال صاحب معالم القربة في طلب الحسبة في صفات المحتسب: وَلْيَكُنْ شِيمَته الرِّفْق، ولين الْقَوْل، وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ، وَسُهُولَةُ الْأَخْلَاقِ عِنْدَ أَمْرِهِ النَّاسَ، وَنَهْيِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ { آل عمران: 159} وَلِأَنَّ الْإِغْلَاظَ فِي الزَّجْرِ رُبَّمَا أَغْرَى بِالْمَعْصِيَةِ، وَالتَّعْنِيفُ بِالْمَوْعِظَةِ يُنَفِّرُ الْقُلُوبَ. اهـ

هذا مع العامة، فكيف مع أخص الخاصة وأحق الناس بحسن الصحبة.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك