حكم أخذ الأم قرضا من ابنها وعدم تسديدها إياه حتى ماتت

منذ حوالي 30 سنة اقترضت أمي مالا من أخي ـ ابنها ـ ولم تسدده بحجة أنه عاق ومبذر، ومنذ حوالي شهر توفيت أمي، وفي الليلة الماضية رأيت في المنام أن أخي دفعها فخرج دم...

حكم أخذ الأم قرضا من ابنها وعدم تسديدها إياه حتى ماتت

س
منذ حوالي 30 سنة اقترضت أمي مالا من أخي ـ ابنها ـ ولم تسدده بحجة أنه عاق ومبذر، ومنذ حوالي شهر توفيت أمي، وفي الليلة الماضية رأيت في المنام أن أخي دفعها فخرج دم من أنفها، وأنا أخشى أن أمي تعذب، لأنها لم تسدد دينها لأخي، فما حكم الشرع في ما فعلته أمي؟ وهل هذه الرؤية تنبيه لي بأداء هذا الدين عن أمي؟. وجزاكم الله خيرا.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنسأل الله تعالى الرحمة لأمكم، وأن يحسن عزاءكم فيها، ثم إنك لم تبيني لنا حالة الأم هل هي موسرة ذات مال أم لا؟ فإن كانت موسرة، فكان يجب عليها قضاء الدين، ولو كان الابن عاقا أو مبذرا، وإن ماتت قبل القضاء وجب إخراج الدين من مالها قبل القسم على الورثة، لقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا {النساء:11}.

فالورثة لا يستحقون شيئاً من مال مورثهم إلا بعد قضاء ديونه ولو أتى الدين على جميع ماله، ولهذا كان من واجبكم أن تقضوا عن تلك الأم المتوفاة ديونها مما تركت من المال، وأن تبادروا بذلك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه. رواه الترمذي.

وأما إن كانت فقيرة ولم تترك ما يفي بدينها: فلا يجب قضاء دينها، كما قال ابن قدامة ـ رحمه الله تعالى ـ في المغني: فإن لم يخلف تركة، لم يلزم الوارث بشيء، لأنه لا يلزمه أداء دينه إذا كان حيا مفلسا، كذلك إذا كان ميتا. انتهى.

ولكنه يستحب استحابا أكيدا للأبناء والبنات أن يبادروا بتسديد الدين، لأن هذا من أعظم البر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزال نفس ابن آدم معلقة بدينه حتى يقضى عنه. رواه الترمذي وأحمد، واللفظ له.

والمعنى كما قال السيوطي: أي محبوسة عن مقامها الكريم، وقال العراقي: أي أمرها موقوف لا حكم لها بنجاة ولا هلاك حتى ينظر هل يقضى ما عليها من الدين أم لا. انتهى.

وأما عن حكم ما فعلته الأم: فإن كانت محتاجة، فلها أن تأخذ من مال ابنها بقدر حاجتها، لأنه يجب على الأبناء برها والنفقة عليها بقدر طاقتهم، كما سبق في الفتوى رقم: 165067.

ويجبر على الانفاق من أبى إن كان عنده ما ينفق به عليها، قال في المغني: ويجبر الرجل على نفقة والديه وولده الذكور والإناث إذا كانوا فقراء، وكان له ما ينفق عليهم. انتهى.

وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد. انتهى.

فإن كان هذا الولد لا ينفق على أمه النفقة الواجبة فلها أن تأخذ من ماله لحاجتها، لما في الحديث عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أولادكم هبة الله لكم، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ {الشورى:49} فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها. رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة.

وفي سنن أبي داود عن عمارة بن عمير، عن عمته: أنها سألت عائشة ـ رضي الله عنها ـ في حجري يتيم أفآكل من ماله؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه. صححه الألباني.

وسئل الشيخ صالح الفوزان: سمعت من بعض النساء بأن للأم أن تسبي ابنها سبع سبيات ـ أي : تأخذ من ماله بدون علمه ـ فما مدى صحة هذا القول ؟ فأجاب: للوالد أن يأخذ من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، لقوله صلى الله عليه وسلم : إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم ـ وقوله : أنت ومالك لأبيك ـ وهذا في حق الأب لا شك فيه وكذلك في حقّ الأم، لأنها كالأب على الصحيح، تأخذ من مال ولدها ما تنتفع به، وتسد به حاجتها، ما لم يكن بذلك إضرار على الولد، أو أن تتعلق به حاجة الولد . اهـ.

وأما عن الرؤيا: فليس من اختصاصنا تعبيرها، ولكن المعروف عند أهل العلم أن الرؤيا لا يجب بها ما ليس واجبا، فإن كانت الأم أخذت من مال ابنها لحاجتها، فلا يجب عليها أن تقضيه.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك