حرمة دم المسلم وتحريم قتله بغير حق

ما هي النصيحة التي يمكن أن تقدموها للمسلمين في بعض البلاد الذين يَقتل بعضهم بعضاً ؟ وما أعنيه هو هل من الجائز في الإسلام قتل المسلم لأخيه المسلم بغير حق ؟ وهل هذا الأمر...

حرمة دم المسلم وتحريم قتله بغير حق

س
ما هي النصيحة التي يمكن أن تقدموها للمسلمين في بعض البلاد الذين يَقتل بعضهم بعضاً ؟ وما أعنيه هو هل من الجائز في الإسلام قتل المسلم لأخيه المسلم بغير حق ؟ وهل هذا الأمر حرام ؟ فهل قتل المسلمين لمجرد أنهم ينتمون لقبيلة أخرى حرام ؟ أنا امرؤ مسلم ووجدت أن هذا الأمر به من الحماقة والجهل ما به ، وهو ما أثارني ضد هذه الأعمال ، غيرة على دين الله ، وخوفاً عليهم من أن ينصهروا في تلك الأعمال ، إنني آمل في أن تقوموا بالإيضاح لبعض المسلمين المقيمين معنا هنا في الغرب ، وإنني علي أمل أن يقوموا بتغيير هذا الأمر ، أو على الأقل يحاولون تغييره ، وأتمنى أن تأخذوا وقتكم قبل الرد ، ومن ثم تخبرونهم عن قول الله تعالى حيال هذه الأعمال ، وما قاله الرسول الخاتم في مثل هذه الأعمال .
جــــ

أولاً :

نسأل الله أن يجزيك أخي السائل خيراً لشعورك بحال إخوانك المسلمين ، فالمسلم للمسلم كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً ، وأهل الإسلام كالجسد الواحد ، في تراحمهم ، وتعاطفهم ، وتوادهم .

ثانياً :

إن من علامات الساعة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم : ” كثرة الفتن ” ، و ” كثرة الهرج ” – أي : القتل –  .

فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (يُقْبَضُ الْعِلْمُ ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ ، وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ) قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْهَرْجُ ؟ فَقَالَ : (هَكَذَا بِيَدِهِ)  فَحَرَّفَهَا ، كَأَنَّه يُرِيدُ : الْقَتْلَ . رواه البخاري (85) – واللفظ له – ومسلم بمعناه (157) .

ومن أسباب كثرة القتل : دعاوى الجاهلية كما ذكر الأخ السائل ، وهو النصرة لقبيلة ، أو عصَبة ، أو طائفة ، وهو ما يحدث في كثير من دول العالَم ، حتى ذهب في قتال بين قبيلتين في ” أفريقيا ” في بلد واحد أكثر من مليون شخص ! .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (… مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ : فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ) رواه مسلم (1848) .

وإن مِن أعظم الذنوب بعد الشرك بالله : قتل مسلم بغير حق ، وقد قال تعالى : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) النساء/ 93 .

وعن أبي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قالَ :سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ ، إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا ، أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا) رواه أبو داود (4270) والنسائي (3984) ، وصححه الألباني في “صحيح أبي داود” .

وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ) رواه الترمذي (1398) ، وصححه الألباني في “صحيح الترمذي” .

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَاماً) رواه البخاري (6469) .

والواجب على كل مسلم أن يسعى أن يلقى الله تعالى وليس في صحيفته سفك دم لمسلم بغير حق .

والواجب على العقلاء في حال وقوع تخاصم بين قبيلتين ، أو عشيرتين ، أو عائلتين : أن يسعوا في الإصلاح بينهما ، وإعطاء كل ذي حق حقَّه ، فإن أبت إحدى الطائفتين إلا البغي وقتال الطائفة الأخرى : قوتلت حتى ترغم على كف يدها ، ووقف القتال ، وفي هذا الحكم الإلهي قطع للنزاع ، ووقف لسفك الدماء .

قال تعالى : (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين ) الحجرات/ 9 .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :

“هذا متضمن لنهي المؤمنين عن أن يبغي بعضهم على بعض ، ويقاتل بعضهم بعضاً ، وأنه إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين : فإنَّ على غيرهم من المؤمنين أن يتلافوا هذا الشر الكبير ، بالإصلاح بينهم ، والتوسط بذلك على أكمل وجه يقع به الصلح ، ويسلكوا الطريق الموصلة إلى ذلك ، فإن صلحتا : فبِها ونعمت ، وإن (بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) أي : ترجع إلى ما حد الله ورسوله ، من فعل الخير ، وترك الشر ، الذي من أعظمه : الاقتتال .

وقوله (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ) هذا أمر بالصلح ، وبالعدل في الصلح ، فإن الصلح قد يوجد ولكن لا يكون بالعدل ، بل بالظلم والحيف على أحد الخصمين ، فهذا ليس هو الصلح المأمور به ، فيجب أن لا يراعى أحدهما ، لقرابة ، أو وطن ، أو غير ذلك من المقاصد والأغراض ، التي توجب العدول عن العدل .

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي : العادلين في حكمهم بين الناس وفي جميع الولايات ، التي تولوها ، حتى إنه قد يدخل في ذلك عدل الرجل في أهله ، وعياله ، في أدائه حقوقهم ، وفي الحديث الصحيح : (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا) – رواه مسلم” – .

“تفسير السعدي” (ص 800) .

ومن واجب المسلم اتجاه إخوانه في مثل تلك البلاد التي يكثر فيها القتل ، وسفك الدماء : أن يدعو الله أن يؤلف بينهم , وأن يرفع عنهم الفتن , والقتل ، والبلاء ، وأن يرد كيد أعداء الدين المتربصين به .

والواجب على المسلم : أن يمد لهم يد العون إلى الصلح ، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .

ونسأل الله أن يكف القتل عن المسلمين ، وأن يؤلف بينهم , ويردهم إلى دينه ردّاً جميلاً .

والله أعلم

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك