تحريم أخذ الأجرة على عملية الضمان والتوسط فيها

يوجد لديّ صديق يعمل كوسيط في صفقات يسمّونها تجاريًّا (Monetization of SBLC)، وأرغب في معرفة الحكم الشرعي في أصل هذه المعاملة، وحكم العمولة التي قد يحصل عليها منها. وصف مختصر للمعاملة: مرسِل (Provider) يصدر...

تحريم أخذ الأجرة على عملية الضمان والتوسط فيها

س
يوجد لديّ صديق يعمل كوسيط في صفقات يسمّونها تجاريًّا (Monetization of SBLC)، وأرغب في معرفة الحكم الشرعي في أصل هذه المعاملة، وحكم العمولة التي قد يحصل عليها منها. وصف مختصر للمعاملة: مرسِل (Provider) يصدر خطاب ضمان بنكي (SBLC) لمدة سنة من بنك قوي، بصيغة تُمكِّن المستفيد من طلب الصرف عند تاريخ الاستحقاق. يتم تعيين مستفيد يُسمّى Monetizer، ويُبرَم بين المرسل والمستفيد عقد جانبي (DOA) مضمونه أن المرسل يرسل SBLC لمدة سنة لصالح المونيتيزر. المونيتيزر يدفع للمرسل مبلغًا مقطوعًا يعادل تقريبًا 50% من قيمة الضمان، ويسمّون ذلك: “تأجير الضمان لمدة سنة”. يتعهّد المونيتيزر في عقد الـ DOA بألا يَصرف الضمان، وأن يتركه منتهي الصلاحية أو يعيده كما هو عند انتهاء السنة، مع أن صيغة الـ SBLC البنكية تتيح له نظريًا حقّ الطلب عند الاستحقاق. المونيتيزر يستفيد من وجود هذا الضمان باسمه عند بنكه، عبر برامج أو تسهيلات يزعم أنها غير ربوية، ثم يدفع من أرباحه المبلغ المتفق عليه للمرسل. صديقي يقوم بالوساطة بين الطرفين، ويتفق على عمولة (مثلاً نسبة من قيمة الصفقة) إذا تمت. عندما ناقشته، قلت: هذا الضمان في حقيقته إمّا مغطّى من مال المرسل، أو قائم على تسهيلات من البنك (Credit Line)، فيبدو أنه التزام مالي/ضمان (كفالة) وليس “منفعة عين” تؤجَّر كالعقار أو السيارة. هو يردّ بأن الـ SBLC ليس مالًا ولا ذمّة مالية، بل “قوّة ضمان” يجوز تأجيرها، وأن نيتهم تأجير هذه القوة فقط، ويستدل بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ويقول: لا ننوي قرضًا ولا ربًا، ولا يقع صرف فعلي للضمان، والجميع يستفيد ولا يتضرر أحد. فما الحكم الشرعي في أصل هذه المعاملة؟ هل يجوز اعتبار الـ SBLC هنا “منفعة تؤجَّر” مقابل نسبة من قيمته، أم إن حقيقته التزام/ذمة مالية لا يجوز جعلها محل أجرة بهذه الصورة، مع العلم أنني قرأت أن بعض قرارات المجامع (كمجمع الفقه وأيوفي) تمنع أخذ الأجر على نفس الضمان (على قيمته ومدته) إلا في حدود المصاريف الفعلية؟ أرجو توضيح انطباق ذلك على هذه الحالة. وما حكم عمولة الوسيط على ترتيب هذه الصفقة إذا كان أصل المعاملة غير جائز؟ لو كان الجواب بعدم الجواز، وتمّت الصفقة، وقبض الوسيط عمولته، فما حكم هذا المال؟ وهل يجب عليه التخلّص منه، أم يمكنه الاحتفاظ به لحاجته الشديدة (إيجار، دراسة أولاد) مع التوبة وترك تكرار هذه الصفقات مستقبلًا؟ شكرًا لكم.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي، المتعلق بشأن خطاب الضمان: بعد النظر فيما أعد في خطاب الضمان من بحوث ودراسات، وبعد المداولات والمناقشات المستفيضة التي تبين منها…
ثانيًا: إن الكفالة هي عقد تبرع يقصد به الإرفاق والإحسان، وقد قرر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة؛ لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جرّ نفعًا على المقروض، وذلك ممنوع شرعاً.

قرر ما يلي:

أولاً: إن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان -والتي يراعي فيها عادة مبلغ الضمان ومدته- سواء أكان بغطاء أم بدونه. اهـ.

وجاء نحو ذلك أيضا في المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المراجعة والمحاسبة الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية، وقد سبق نقله في الفتوى: 434737.

وإذا حرم الاعتياض عن الضمان نفسه، فبطريق الأولى ينسحب هذا الحكم على (قوة الضمان)، كما سماه صديق السائل، حتى ولو لم يصرف المسيِّل (المونيتيزر) الضمان، وتركه دون استخدام إلى نهاية مدته.

وإذا حرمت المعاملة، فلا يجوز التوسط في إتمامها ولا أخذ عمولة عليها، لما في ذلك من الإعانة على الإثم، وقد قال تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2].

قال ابن بطال في «شرح صحيح البخاري»: المعونة على معاصي الله، وما يكرهه الله، للمعين عليها من الوزر، والإثم مثل ما لعاملها، ولذلك نهى الرسول عن بيع السيوف في الفتنة، ولعن عاصر الخمر، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وكذلك سائر أعمال الفجور. اهـ.

وقال المازري في المعلم بفوائد مسلم: المعونة على ما لا يحل لا تحل، وقال الله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، وقد جعل الدال على الخير كفاعله، وهكذا الدال على الشر كفاعله. اهـ. وانظر الفتوى: 411019.

والقاعدة: أن ما حرم فعله، حرمت أجرته وثمنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عزّ وجلّ إذا حرم أكل شيء، حرم ثمنه. رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الألباني.

قال ابن عقيل في «كتاب الفنون»: لا شك أن من مذهب أحمد تحريم عوض كل محرم …

واستدل في تحريم عوض الحرام بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لعن الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، إن الله إذا حرّم شيئًا حرم ثمنه. اهـ.

وقال القرافي في الذخيرة: المنافع المحرمة لا تقابل بالأعواض. اهـ.

وقال ابن رشد في «بداية المجتهد»: أما المنفعة: فينبغي أن تكون من جنس ما لم ينه الشرع عنه، وفي كل هذه مسائل اتفقوا عليها واختلفوا فيها، فما اجتمعوا على إبطال إجارته: كل منفعة كانت لشيء محرم العين، كذلك كل منفعة كانت محرمة بالشرع. اهـ.

وعلى ذلك؛ فهذه العمولة لا تحل لآخذها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى): ما في الوجود من الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقود لا تباح بالقبض، إن عرفه المسلم اجتنبه. اهـ.

وعليه أن يتخلص منها بإنفاقها في أبواب الخير، أو إعطائها للفقراء والمساكين، وإن كان هو فقيرًا، ولا يجد غيرها لنفقته اللازمة، جاز له عندئذ أن يأخذ ما يكفي حاجته منها؛ أسوة ببقية الفقراء، وراجع في ذلك الفتاوى: 66661، 41720، 55328.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك