بيع مني الحيوان.. رؤية شرعية

تلقّيت منكم في مناسبات مضت أجوبة وفتاوى دقيقة ومقنعة اعتمدتها وأسأل الله أن يجازيكم عنّا كلّ خير. أمّا سؤالي اليوم فهو: حدّثني أحدهم عن مشروع فلاحي أصبح رائجا في الغرب يتمثّل في تربية ثيران...

بيع مني الحيوان.. رؤية شرعية

س
تلقّيت منكم في مناسبات مضت أجوبة وفتاوى دقيقة ومقنعة اعتمدتها وأسأل الله أن يجازيكم عنّا كلّ خير. أمّا سؤالي اليوم فهو: حدّثني أحدهم عن مشروع فلاحي أصبح رائجا في الغرب يتمثّل في تربية ثيران من فصيلة جيّدة ليستخرحوا من أجهزة تناسلها ـ منيّها ـ يعلّبونه، ولا أدري ماذا يضيفون له من مواد أخرى ويروّجونه في الأسواق للاستهلاك البشري ـ كعلب معجون لتقوية الشّهوة الجنسيّة لدى الرّجل ـ وهذا يذكّرنا بالفياجرا والمنتوجات الأخرى الرّائجة فما حكم الشّرع في ذلك؟. وبارك الله في أعمالكم.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالمنشطات الجنسية ـ سواء أكانت طبيعية أو مصنعة ـ الأصل أنه لا حرج في تناولها، ما لم تؤد إلى ضرر معتبر شرعاً، وراجع في ذلك الفتويين رقم: 5385، ورقم: 27480.

ويشترط فيها ما يشترط في سائر المطعومات، ومن ذلك الطهارة، لقوله تعالى: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ {الأعراف: 157}.

وطهارة مني الحيوان مأكول اللحم كالثيران: محل خلاف بين أهل العلم والجمهور على نجاسته، جاء في الموسوعة الفقهية: ذهب الحنفية والمالكية ـ وهو قول عند الشافعية والحنابلة ـ إلى أن المني نجس، ولهم في ذلك تفصيل.

فقال الحنفية: إن المني نجس ـ سواء من الإنسان أو من الحيوانات كلها ـ دون التفرقة بين مأكول اللحم وغير مأكوله.

وقال المالكية: المني نجس إذا كان من آدمي أو من حيوان محرم الأكل بغير خلاف، أما مني مباح الأكل ففيه خلاف. فقيل بطهارته، وقيل بنجاسته، للاستقذار والاستحالة إلى فساد، وهو المشهور.

وذهب الشافعية ـ في الأصح ـ إلى أن مني غير الآدمي ونحو الكلب نجس كسائر المستحيلات.

وقال النووي: إن الأصح طهارة مني غير الكلب والخنزير وفرع أحدهما لأنه أصل حيوان طاهر فأشبه مني الآدمي.

وفي مقابل الأصح عند الشافعية وقول الحنابلة: أنه طاهر من المأكول نجس من غيره كلبنه. اهـ. بتصرف واختصار.

ويتفرع على هذا الخلاف: حكم الانتفاع به وحكم بيعه، فيجوز على القول بطهارته، ولا يجوز على القول بنجاسته، إذ لا يجوز بيع النجاسات، كالخمر والخنزير والدم، فإنه ـ كما جاء في الموسوعة: فاسد عند جمهور الفقهاء، والمعنى فيه هو نجاسة عينه، ويلحق بهما باقي نجس العين، وكذا كل ما نجاسته أصلية أو ذاتية ولا يمكن تطهيره، ونقل ابن قدامة عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على القول به، ودليله حديث جابر: إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. اهـ.

وقال الشيخ الشنقيطي: قد تقرر في الشرع ـ ويكاد يكون قول الجماهير خلافاً للحنفية – أن النجس لا يجوز بيعه، لحديث جابر بن عبد الله: إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام.

فإذا ثبت أن النجس لا يجوز بيعه، وحكمت على المني الخارج من الحيوان الذي يؤكل لحمه أنه طاهر، ففي هذه الحالة لو سألك سائل عن بيع مني الحيوان كما يفعل بالحقن، وتحقن به الإناث من أجل أن تخصب وتنجب: هل يجوز أو لا يجوز؟ فعلى القول بنجاسة فضلته: لا يجوز بيعه، لأنه لا يجوز بيع النجس، وعلى القول بطهارتها: يجوز بيعه، لأنه طاهر أشبه بسائر الطاهرات. اهـ.

وعلى القول بنجاسته لا يجوز الانتفاع به ـ أيضا ـ ولو بغير البيع، إلا إن كان قد عولج كيميائيا حتى استحال إلى عين أخرى، ثم جعلت في مكونات المعجون المذكور، فلا حرج ـ عندئذ ـ في استعمالها، لأن الاستحالة مطهرة على القول الراجح من أقوال أهل العلم، وقد بينا ذلك في الفتويين رقم: 25587، ورقم: 6783.

وراجع الفتوى رقم: 77436.

ثم ننبه على أمرين:

الأول: أن أكل المني ـ على القول بطهارته ـ له حكم خاص دون سائر أوجه الانتفاع، وقد سبق لنا في الفتوى رقم: 22228، بيان حرمة ابتلاعه، وأن من قال بطهارته كالشافعية، فإنه على الصحيح من مذهبهم: لا يجوز ابتلاعه، قال النووي في المجموع: هل يحل أكل المني الطاهر؟ فيه وجهان: الصحيح المشهور أنه لا يحل، لأنه مستخبث، قال تعالى: ويحرم عليهم الخبائث {الأعراف:157}. انتهى.

الثاني: أنه لا يصح هنا أن يقال: إن استعمال النجاسات أو المحرمات تجوز هنا لضرورة العلاج، فإن من قال بذلك من أهل العلم اشترط عدم وجود البديل الطاهر أو المباح، قال النووي في المجموع: إنما يجوز التدواي بالنجاسة إذا لم يجد طاهرا يقوم مقامها، فإن وجده حرمت النجاسات بلا خلاف. انتهى.

فالذي ننصح به على ـ أية حال ـ هو البعد وصرف النظر عن مثل هذا المشروع المذكور في السؤال.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك