الوصية بالعفو والصفح للحفاظ على صلة الرحم

يزورنا أحد أقارب أمي في البيت، وقد كان مسيئاً لها في طفولتها: يضربها، ويعنفها، ويحتقرها، لدرجة أنها أصبحت مريضة نفسيا بسببه، وهي لا تطيق رؤيته، ولكنها ـبحكم العادات والتقاليدـ تستحيي، أو تخاف أن تطرده،...

الوصية بالعفو والصفح للحفاظ على صلة الرحم

س
يزورنا أحد أقارب أمي في البيت، وقد كان مسيئاً لها في طفولتها: يضربها، ويعنفها، ويحتقرها، لدرجة أنها أصبحت مريضة نفسيا بسببه، وهي لا تطيق رؤيته، ولكنها ـبحكم العادات والتقاليدـ تستحيي، أو تخاف أن تطرده، أو تواجهه بمشاعرها الحقيقية، وأريد أن أتصرف نيابةً عنها، حتى لا تشعر بتأنيب الضمير، لكنني رأيت أن أستشير أهل العلم، لأعلم القرار الصواب.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالذي نشير به، ونوصي -بعد تقوى الله تعالى- هو: الصبر، والعفو، والصفح، وكظم الغيظ، والحفاظ على صلة الرحم؛ فقطيعة الرحم من الكبائر المهلكة، والمعاصي الموبقة، فقد جاء في صحيح البخاري، وغيره، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه، قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاقرؤوا إن شئتم: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم.

وليس المراد بالصلة: أن يصل الإنسان أرحامه، إذا وصلوه، فهذه مكافأةٌ، بل المراد أن يصلهم، وإن قطعوه، ويحسن إليهم وإن أساءوا إليه، ويعطيهم، وإن منعوه، فتلك هي الصلة التي أمر الله بها، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه، وصلها. رواه البخاري.

وفي صحيح مسلمٍ: أن رجلاً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن لي قرابة أصلهم، ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم، ويجهلون علي، فقال: لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم، ما دمت على ذلك.

وفي صحيح مسلمٍ أيضاً: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله.

فانظري كيف أخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن من عفا، فإن الله يزيده عزاً بعفوه، ولذلك، فإن الحل هو في العفو والصفح، والتغاضي عن الماضي، وتناسي الأخطاء، وتجاهلها، وخاصةً ما جرى في أيام الطفولة، وطيش الشباب.. فلابد من تجاهل، ونسيان وساوس الشيطان، وما يذكر به من الأخطاء الفائتة، للكيد، والتفريق بين الإخوة، والقطيعة بين ذوي الأرحام، والأقارب؛ قال تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ {الشورى:40}. وقال: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ {النور:22}.

ومن أخلاق نبينا -صلى الله عليه وسلم- الفاضلة، وكل أخلاقه فاضلة: أنه لاَ يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ. كما جاء في الصحيحين.

ومهما فعل هذا القريب بقريبته -أمك- من الأذى، فلن يكون مثل ما فعل إخوة يوسف بيوسف -عليه السلام- فقد وصل بهم الأمر إلى التفريق بينه، وبين أبيه، وإلقائه في بئرٍ مظلمةٍ، حتى بيع بثمنٍ بخسٍ..

وانظري ما حكى الله سبحانه عنه عندما وصل أمره إلى النصر، والعزة، والتمكين، فلم يقابل السيئة بمثلها، وإنما عفا عنهم، وقال لهم ما حكاه لنا القرآن الكريم: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ {يوسف:92}.

فالحل مرة أخرى -أختي الكريمة- هو في تقوى الله تعالى، وصلة الرحم، والإحسان.. فقد قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ {يوسف:90}.

وسوف تجدون جميعاً نتيجة ذلك -إن شاء الله تعالى- عاجلاً: بانشراح الصدور، وطمأنينة النفوس، وآجلاً: بمغفرة الله تعالى، ورحمته..

والله أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك