النية.. محلها.. التلفظ بها.. والجمع بين عدة نيات

ذكرتم في موقعكم الكريم: أن النية هي قصد الشيء؛ فلا داعي لاستحضارها قبل فعل الشيء. ولكني أنوي أكثر من نية في الوضوء (رفع الحدث، واستباحة الصلاة)؛ لأن عندي سلس، وكذلك في الاغتسال (رفع الحدثين...

النية.. محلها.. التلفظ بها.. والجمع بين عدة نيات

س
ذكرتم في موقعكم الكريم: أن النية هي قصد الشيء؛ فلا داعي لاستحضارها قبل فعل الشيء. ولكني أنوي أكثر من نية في الوضوء (رفع الحدث، واستباحة الصلاة)؛ لأن عندي سلس، وكذلك في الاغتسال (رفع الحدثين الأكبر والأصغر، واستباحة الصلاة)، وكذلك في العبادات الأخرى غير المباشرة، مثل الأعمال الخيرية، تكون أكثر من نية. إذن: فهناك استحضار للنية، وتلفظ بها في النفس، ويكون زمنها قبل الفعل، وليس عند بدء الفعل. أرجو التوضيح.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فحقيقة النية هي القصد، ومحلها القلب، فيجب على من أراد فعل ما تشترط له النية، كالطهارة، أو الصلاة، أن ينوي بقلبه ما يريد فعله؛ فينوي بالوضوء أو الغسل رفع الحدث أو استباحة ما لا يستباح إلا بالطهارة، وينوي عند الشروع في الصلاة فعل الصلاة المعينة -ظهرًا كانت أو عصرًا-، وهذه النية على هذا الوجه شرط في صحة العبادة.

أما التلفظ بها باللسان: فالراجح: أنه غير مشروع.

جاء في الموسوعة الفقهية: لم يؤثر عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مشروعية التلفظ بالنية، ولهذا استحب إخفاؤها؛ لأن محلها القلب، ولأن حقيقتها القصد مطلقًا، وخصت في الشرع بالإرادة المتوجهة نحو الفعل مقترنة به ابتغاء رضاء الله تعالى وامتثال حكمه. وقيل: يستحب التلفظ بها باللسان. انتهى.

وأما الجمع بين عدة نيات على النحو الذي ذكرت: فلا حرج فيه، بل أوجبه بعض أهل العلم في مثل حالتك، وإن كان هذا القول ضعيفًا.

جاء في المجموع للنووي: وأما المستحاضة، وسلس البول والمذي، وغيرهم ممن به حدث دائم، ففيهم ثلاثة أوجه: الصحيح، وبه قطع الجمهور: لا تجزيهم نية رفع الحدث وحدها، وتجزيهم نية استباحة الصلاة؛ لأنه لا يرتفع حدثهم مع جريانه، وعلى هذا؛ قال المتولي، وغيره: يستحب لهم الجمع بين نية الاستباحة ورفع الحدث.

والوجه الثاني: يجزيهم الاقتصار على نية رفع الحدث أو الاستباحة، حكاه الماوردي، والرافعي؛ لأن نية رفع الحدث تتضمن الاستباحة.

(والثالث): يلزمهم الجمع بين النيتين. وهو محكي عن أبي بكر الفارسي، وأبي عبد الله الخضري، وأبي بكر القفال المروزي؛ ليكون نية رفع الحدث عن الماضي، ونية الاستباحة عن المقارن والمتجدد، وضعف الأصحاب هذا الوجه أشد تضعيف، وهو حقيق بذلك، قال إمام الحرمين: هذا الوجه غلط لا شك فيه؛ فإن نية الاستباحة كافية، وكيف يرتفع الحدث مع جريانه؟ وإذا لم يرتفع فكيف تجب نيته؟ ونقل المتولي الاتفاق على أنه لا يجب الجمع بينهما، قال المتولي، وغيره: ولأنه إذا أجزأت نية الاستباحة صاحب طهارة الرفاهية فالمستحاضة أولى. اهـ.

وأما العبادات التي من قبيل “الأعمال الخيرية”: فالأمر فيها واسع، والأساس فيها أن يقصد الإنسان بفعله ذلك الإخلاص لله تعالى، والتقرب إليه، وأي نية أخرى لا تنافي ذلك لا بأس بجمعها مع هذه النية. وراجع -لمزيد الفائدة- فتوانا رقم: 128169.

وكون زمن النية قبل الفعل أو قبل الشروع في العبادة فيه خلاف، الراجح منه: أن تقدم النية بوقت يسير لا حرج فيه، وانظر للتفصيل أكثر الفتوى رقم: 132505.

أما قولك: “إذن: فهناك استحضار للنية، وتلفظ بها في النفس”: فلا إشكال في هذا، ولكن التلفظ يكون باللسان فقط، أما ما كان في النفس فلا يطلق عليه التلفظ؛ لأن اللفظ في الأصل يقال للرمي، وما دام الأمر في النفس فهو لم يلفظ بعد، فإذا نطق به اللسان صار لفظًا؛ جاء في لسان العرب: اللَّفْظُ: أَن تَرْمِي بِشَيْءٍ كَانَ فِي فِيكَ، وَالْفِعْلُ لَفَظ الشيءَ. يُقَالُ: لفَظْتُ الشَّيْءَ مِنْ فَمِي أَلفِظُه لَفْظاً رَمَيْتُهُ، وَذَلِكَ الشَّيْءُ لُفاظةٌ. ولفَظ الرجلُ: مَاتَ. ولفَظ بِالشَّيْءِ يَلْفِظُ لَفظاً: تَكَلَّمَ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ….. ولَفَظْت بِالْكَلَامِ وتلَفَّظْت بِهِ أَي: تَكَلَّمْتُ بِهِ. اهـ.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك