الحدود حق لله تعالى

كيف نفرق بين الحدود إذا كانت راجعة لله أم للعبد ؟ وكيف نميز بينهما ؟ وما هي ضوابطها ؟...

الحدود حق لله تعالى

س
كيف نفرق بين الحدود إذا كانت راجعة لله أم للعبد ؟ وكيف نميز بينهما ؟ وما هي ضوابطها ؟
جــــ

أولا :

الحقوق الشرعية بصفة عامة على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: حق الله تعالى المحض ، كالإيمان به سبحانه، وإقامة العبادات المحضة كالصلاة والصيام والحج والعمرة.

القسم الثاني: حق العباد المحض كأداء الديون، ودفع الأثمان عند الشراء.

القسم الثالث: ما اختلف أهل العلم فيه هل يغلب فيه حق الله تعالى أم حق العباد ؛ كحد القذف؛ فهو من جهة أن فيه استهانة بأعراض الناس علناً : فهو حق لله تعالى ، ومن جهة أن المقذوف بالزنى قد اتهم في عرضه وأصابه بذلك الأذى ولحقه العار : فهو حق له.

مع ملاحظة أن كل حق للعبد ففيه حق لله تعالى ؛ فمثلا أداء الديون فإنه وإن كان حقا للعبد ففيه حق لله تعالى من جهة أنه سبحانه أمر بأداء الأمانات إلى أهلها ؛ قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) [النساء: 58] .

يقول القرافي رحمه الله تعالى في الفروق (1 / 140):

” فحق الله أمره ونهيه ، وحق العبد مصالحه .

والتكاليف على ثلاثة أقسام : حق الله تعالى فقط ؛ كالإيمان ، وتحريم الكفر .

وحق العباد فقط ، كالديون والأثمان .

وقسم اختلف فيه هل يغلب فيه حق الله ، أو حق العبد ؛ كحد القذف .

ونعني بحق العبد المحض : أنه لو أسقطه لسقط ، وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى، وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه ؛ فيوجد حق الله تعالى دون حق العبد ، ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى” انتهى.

وقد بين القرافي الفرق بين حق الله تعالى وحق العبد ، ووضح الضابط في ذلك بقوله في الفروق (1 / 141): “وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط :

فكل ما للعبد إسقاطه فهو الذي نعني به حق العبد .

وكل ما ليس له إسقاطه ، فهو الذي نعني بأنه حق الله تعالى .

وقد يوجد حق الله تعالى ، وهو ما ليس للعبد إسقاطه ، ويكون معه حق العبد؛ كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات؛ فإن الله تعالى إنما حرمها صونا لمال العبد عليه ، وصونا له عن الضياع بعقود الغرر والجهل ، فلا يحصل المعقود عليه ، أو يحصل دَنِيَّا ونزرا حقيرا ، فيضيع المال؛ فحجر الرب تعالى برحمته على عبده في تضييع ماله ، الذي هو عونه على أمر دنياه وآخرته، ولو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يؤثر رضاه .

وكذلك حجر الرب تعالى على العبد في إلقاء ماله في البحر ، وتضييعه من غير مصلحة.

ولو رضي العبد بذلك لم يعتبر رضاه .

وكذلك تحريمه تعالى على المسكرات صونا لمصلحة عقل العبد عليه، وحرم السرقة صونا لماله، والزنا صونا لنسبه، والقذف صونا لعرضه، والقتل والجرح صونا لمهجته وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك ، لم يعتبر رضاه ، ولم ينفذ إسقاطه .

فهذه كلها ، وما يلحق بها من نظائرها ، مما هو مشتمل على مصالح العباد : حق لله تعالى؛ لأنها لا تسقط بالإسقاط ، وهي مشتملة على حقوق العباد ، لما فيها من مصالحهم ودرء مفاسدهم .

وأكثر الشريعة من هذا النوع ، كالرضا بولاية الفسقة وشهادة الأراذل ونحوها ، فتأمل ذلك بما ذكرته لك من النظائر تجده ، فحجر الرب تعالى على العبد في هذه المواطن لطفا به ورحمة له سبحانه وتعالى” انتهى.

ثانيا :

أما بخصوص سؤال السائل عن الحدود فإن الحدود كلها كحد الزنى والسرقة والحرابة حق لله تعالى ، وقد نص على ذلك أهل العلم .

يقول ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 202) “الحقوق نوعان: حَقٌّ للَّه، وحَقٌّ لآدمي، فحق اللَّه لا مَدْخَلَ للصلح فيه ، كالحدود والزكَوَات والكفارات ونحوها …

وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها ” انتهى.

ويقول السرخسي: “فَأَما الْعُقُوبَات الْمَحْضَة : فَهِيَ الْحُدُود الَّتِي شرعت زواجر عَن ارْتِكَاب أَسبَابهَا المحصورة ، حَقًا لله تَعَالَى خَالِصا ؛ نَحْو حد الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر” انتهى من أصول السرخسي (2/ 294).

ولذلك فإن أهل العلم لم يعدوا القصاص من الحدود ، لأنه يقبل الإسقاط من قِبَل ولي الدم ، إن كان القصاص في القتل، ويقبل الإسقاط من قبل صاحب الحق ، إن كان القصاص في الأطراف والأعضاء.

يقول الكمال ابن الهمام الحنفي “الْحَدُّ لُغَةً: هُوَ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ الْحَدَّادُ لِلْبَوَّابِ.

وَفِي الشَّرِيعَةِ: هُوَ الْعُقُوبَةُ الْمُقَدَّرَةُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، حَتَّى لَا يُسَمَّى الْقِصَاصُ حَدًّا ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ، وَلَا التَّعْزِيرُ ؛ لِعَدَمِ التَّقْدِيرِ” انتهى من فتح القدير للكمال ابن الهمام (5/ 212).

وأما حد القذف خاصة من بين الحدود : فقد اختلف فيه هل هو من حق الله تعالى ، أم من حق العبد ؟

يقول ابن حزم: “إما أن يكون الحد في القذف من حقوق الله تعالى، كالحد في الزنا، والحد في الخمر، والحد في السرقة، والحد في المحاربة .

وإما أن يكون من حقوق الناس، كالقصاص في الأعضاء، والجنايات على الأموال.

فإن كان الحد في القذف من حقوق الله تعالى كسائر الحدود، فلا يجوز لأحد عفو فيه؛ لأنه لا حق له فيه، ولا فرق بين من سرق مال إنسان، أو زنى بأمته وافترى عليه، أو بامرأة أكرهها، وسرق مالا من مالها، وافترى عليها، فلم يختلفوا في أنه ليس للرجل أن يعفو عن الزنا بأمته فيسقط عنه حد الزنا بذلك، ولا لهما أن يعفوا عمن سرق مالهما، أو قطع عليهما الطريق، فيسقط عنه حد السرقة بذلك، وحد المحاربة.

والمفرق بين القذف وبين ما ذكرنا: متحكم في الدين بلا دليل.

وإن كان الحد في القذف من حقوق الناس: فعفو الناس عن حقوقهم جائز” انتهى من المحلى بالآثار (12 / 255).

مع التنبيه على أنه من الأصول المهمة ، التي يجب معرفته والعناية به في هذا المقام وهو أن الحدود يشرع العفو عنها ، فيما بين الناس ، ويشرع لمن شهد بعض ذلك أن يستر على من ألم به ، ولا يفضحه ، ولا يجب عليه أن يشهد به عند ولي الأمر .

لكن متى شهد الشهود بذلك عند ولي الأمر ، وقامت البينة به عنده : حرم الشفاعة فيه ، ووجب على ولي الأمر أن يقيم حد الشرع على صاحبه، وقد سبق بيان هذا الأصل بالتفصيل في الفتوى رقم (226758).

والخلاصة : أن جميع الحدود هي حقوق لله تعالى ، ولم يختلف العلماء إلا في حد القذف .

هذا مع التذكير بما تقرر في اعتقاد كل مسلم : أن تشريع الأحكام ، وسن الشرائع والقوانين : هو حق الله تعالى على عباده ، تفرد به دونهم ، ولم يأذن لأحد من خلقه أن يشاركه في شرع ، أو أمر أو نهي ، كما لم يكن من عباده ، سبحانه ، من شركه في خلق العباد .

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (974) ورقم (118135).

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك