الحالات التي يكون فيها الضمان على الآمر لا الفاعل

فور تخرجي من كلية الطب التحقت بالتدريب في قسم الأشعة بشكل مجاني، وفي الشهر الثالث من التدريب قدمت إلينا حالة يبدو أنها كانت عندها التهاب، ولم تكن عليها أعراض، عندما سألناها عن أنها تشتكي...

الحالات التي يكون فيها الضمان على الآمر لا الفاعل

س
فور تخرجي من كلية الطب التحقت بالتدريب في قسم الأشعة بشكل مجاني، وفي الشهر الثالث من التدريب قدمت إلينا حالة يبدو أنها كانت عندها التهاب، ولم تكن عليها أعراض، عندما سألناها عن أنها تشتكي من أيِّ شيء، وقبلت الطبيبة التي تدربني بالحالة، وعلمتني كيف أركب الأدوات، وحقنتها بنفسي. مع العلم أنها وظيفة الممرضة، ولكن كوني جديدة أردت أن أتعلم طريقة الحقن، وكل شيء كان صحيحا. وللأسف بعدها بيوم جاءت المريضة للمستشفى بالتهاب حاد، وبقيت في العناية، ثم توفيت -رحمها الله-. حدثت مشكلة وقضايا من أهل المريضة على الطبيبة المسؤولة عني، ولم يكلمني أحد كوني جديدة، كما أسلفت، وكنت لا أفقه شيئا في تقييم الحالة، فكنت خارج الموضوع. بالنسبة للتقرير الطبي أفاد أن المريضة كان عندها التهاب قبل أن نحقنها، ولكنه انتشر بسبب حقن الصبغة، والطبيب الشرعي قال لي وقتها: لا تخافوا نحن مع الطبيب ما استطعنا، أي أننا نبرؤه قدر المستطاع. الكل يقول لي: ليس لك علاقة حتى أهل المريضه لم يتحدثوا إليك؛ لأنك لست مسؤولة عن تقييم الحالة، وفعلا أنا عبد مأمور، إن وافقت الطبيبة عليها حقنتها، وإن لا، فلا. مشكلتي الوحيدة أني حقنتها بيدي، أتمنى أن أعرف هل يلزمني شيء أم لا؟ أرجو إفادتي ومساعدتي، فالموضوع يشغلني من أربع سنوات.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنقول ابتداء إننا فهمنا من السؤال أن تلك الحقنة زادت من حدة الالتهاب، وهذا أدى إلى وفاة تلك المريضة -رحمها الله-، وإذا كان الأمر كذلك فجوابنا يتلخص فيما يلي:

أولا: سبق أن أصدرنا فتوى مفصلة في خطأ الطبيب، وما يترتب عليه، ومتى يكون ضامنا، ومتى لا يضمن، وذلك في الفتوى: 5852 .

ثانيا: الأصل براءة الذمة من الضمان، ولا يحكم به إلا بشيء متيقن، لأن الأصل براءة الذمة، فلا تعمر إلا باليقين.

قال العلوي في النوازل: فمن تصدى للإفتاء فليحجم عن الإقدام على إلزام الضمان إلا بصريح، أو ظاهر، وإلا وجب عليه التمسك بالأصل الذي هو براءة الذمة.

ثالثا: إن كان إعطاء تلك الحقنة يُعدُّ -في حكم أهل الخبرة والاختصاص- لا تقصير فيه، ولا يعد إهمالا؛ فإنه لا شيء على الطبيبة، ولا على من تحتها من الممرضين.

وأما إن كان إعطاء تلك الحقنة يُعدُّ -في حكم أهل الخبرة والاختصاص- إهمالًا طبيًّا، وتقصيرًا في أداء واجب المهنة، وهو الذي أدّى للوفاة: فإن هذا يكون له حكم قتل الخطأ؛ لأن من لزمه القيام بعمل، فقصّر فيه، ضَمِنَ ما أدّى إليه تقصيره من أضرار، وهذا أصل، قد أناط به أهل العلم كثيرًا من المسائل، ومنها: تقصير الطبيب، أو إهماله، إذا ترتب عليه هلاك المريض.

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن ضمان الطبيب ما يأتي: يكون الطبيب ضامنًا، إذا ترتب ضرر بالمريض في الحالات الآتية: … إذا ارتكب خطأ لا يقع فيه أمثاله، ولا تقره أصول المهنة، أو وقع منه إهمال، أو تقصير. اهـ.

وقال النفراوي في (الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني): إن عالج العالم بالطب المريض، ومات من مرضه، لا شيء عليه، بخلاف الجاهل، أو المقصّر، فإنه يضمن ما نشأ عن فعله. اهـ.

رابعا: لو فُرِضَ أن الطبيبة لا تعذر فيما حدث، ولزم الضمان بوفاة المرأة، فأنت من باشر إعطاء تلك الحقنة، والطبيبة هي السبب لأنها أمرتك بإعطائها، والأصل في قاعدة الضمان أنه إذا اجتمع المتسبب والمباشر، فالضمان على المباشر لا المتسبب، ولكن ذكر أهل العلم أن هناك استثناءات لهذه القاعدة يكون فيها الضمان على المتسبب لا على المباشر، من تلك الصور أن يكون الآمر ممن يلي الإجبار على المأمور؛ كالعبد لسيده، والسلطان لأعوانه، والرجل لولده. فالضمان على الآمر، وإلا فعلى المأمور.

جاء في الموسوعة الفقهية عن الصور التي يسقط فيها الضمان على المأمور الفاعل، ويلزم في حق الآمر:
يُشْتَرَطُ لاِنْتِفَاءِ الضَّمَانِ عَنِ الْمَأْمُورِ وَثُبُوتِهِ عَلَى الآْمِرِ، مَا يَلِي:
1 – أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ جَائِزَ الْفِعْل، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا فِعْلُهُ ضَمِنَ الْفَاعِل لاَ الآمِرُ، فَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِتَخْرِيقِ ثَوْبِ ثَالِثٍ ضَمِنَ الْمُخَرِّقُ لاَ الآْمِرُ.

2 – أَنْ تَكُونَ لِلآمِرِ وِلاَيَةٌ عَلَى الْمَأْمُورِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِ مَال غَيْرِهِ فَأَخَذَهُ، ضَمِنَ الآخِذُ لاَ الآمِرُ، لِعَدَمِ الْوِلاَيَةِ عَلَيْهِ أَصْلاً ، فَلَمْ يَصِحَّ الأمْرُ، وَفِي كُل مَوْضِعٍ لَمْ يَصِحَّ الأمْرُ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَلَمْ يَضْمَنِ الآمِرُ.

وَإِذَا صَحَّ الأمْرُ بِالشَّرْطَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَقَعَ الضَّمَانُ عَلَى الآمِرِ، وَانْتَفَى عَنِ الْمَأْمُورِ وَلَوْ كَانَ مُبَاشِرًا. لإِنَّهُ مَعْذُورٌ لِوُجُوبِ طَاعَتِهِ لِمَنْ هُوَ فِي وِلاَيَتِهِ، كَالْوَلَدِ إِذَا أَمَرَهُ أَبُوهُ، وَالْمُوَظَّفِ إِذَا أَمَرَهُ رَئِيسُهُ. اهــ.

ولا شك أن للطبيب أو الطبيبة ولاية على من تحته من الممرضين، فإذا أمرهم بإعطاء المريض دواء، أو حقنة، وترتب عليها موت المريض، ولم يكن الممرض على علم بضرر تلك الحقنة؛ فإن الضمان على الطبيب الآمر، لا على موظف التمريض.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك