التسعير.. أحكامه وأحواله

ما هي أقوال العلماء في موضوع التسعير الجبري بالتفصيل وما هو القول الراجح؟ ماحكم من صلى خلف الإمام منفردا وما الإختلاف والإدلة والترجيح ؟...

التسعير.. أحكامه وأحواله

س
ما هي أقوال العلماء في موضوع التسعير الجبري بالتفصيل وما هو القول الراجح؟ ماحكم من صلى خلف الإمام منفردا وما الإختلاف والإدلة والترجيح ؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا يخلو التسعير من حالتين: أن يكون في الأحوال العادية التي لا غلاء فيها، أو أن يكون في حالة الغلاء. وفي كلا الحالتين اختلف أهل العلم رحمهم الله في جوازه وبيان اختلافهم كالتالي:
الحالة الأولى: التسعير في الأحوال العادية التي لا غلاء فيها:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: عدم جواز التسعير في الأحوال العادية التي لا يظهر فيها ظلم التجار ولا غلاء في الأسعار، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وهو قول ابن عمر وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد، واستدلوا بقول الله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29].
ووجه الدلاله في الآية الكريمة أن الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة رخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقول الله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29].
واستدلوا أيضاً بما رواه الترمذي بسنده عن أنس رضي الله عنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الناس يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني في دم ولا مال. رواه الخمسه إلا النسائي وصححه ابن حبان وقال أبو عيسى الترمذي: حديث حسن صحيح.
وبما رواه أبو داود بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً جاء فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل أدعو ثم جاء، رجل فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة. إسناده حسن كما قال الحافظ ابن حجر.
ووجه الدلاله من هذين الحديثين أنه عليه الصلاة والسلام لم يسعر وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه، وإذا كان عليه الصلاة والسلام لم يسعر وقد طلب منه التسعير رغم غلاء السعر كما ورد في الحديث، فمن باب أولى أن لا يكون تسعير في الأحوال التي تكون فيها الأسعار عادية.
قال ابن قدامة في المغني: قال بعض أصحابنا: التسعير سبب الغلاء؛ لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلداً يكرهوا على بيعها فيه بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعه يمتنع من بيعها ويكتمها، ويطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلا قليلاً، فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها فتغلوا الأسعار ويحصل الإضرار بالجانبين: جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري من الوصول إلى غرضه فيكون حراماً.
القول الثاني: جواز التسعير في الأحوال العادية التي لا يظهر فيها ظلم التجار ولا غلاء الأسعار. وهذا القول نقل عن سعيد بن المسيب وربيعه بن عبد الرحمن ويحيى بن سعيد الأنصاري، فالتسعير عندهم جائز مطلقاً، وعللوا بأن فيه مصلحة للناس، وفيه منع من إغلاء السعر.
والذي ذهب إليه الجمهور هو الأولى بالأخذ والاعتبار، ونظراً لقوة الأدلة التي استدلوا بها، ولأن الأصل في الشريعة هو حرية التعامل بين الناس ماداموا واقفين عند حدود الله فلا ظلم ولا غش ولا احتكار ولا تلاعب في الأسعار، ولا شك أن هذه الحرية تعد عاملاً قوياً في زيادة الفعالية الاقتصادية وتوفير أنواع المتاع، والتسعير دون الحاجة إليه عمل يخالف الأصل الذي بني عليه التعامل، ويقيد الحرية ويؤدي إلى اختفاء السلع.. الأمر الذي لا يعود على الأمة إلا بالغلاء، ويؤدي إلى انتشار السوق السوداء على نطاق واسع.
الحالة الثانية: التسعير في حالة الغلاء: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على رأيين:
الرأي الأول: رأي المانعين للتسعير، وقد ذهب إلى ذلك كثير من الشافعية والحنابلة والمالكية، واستدل هؤلاء بما أخرجه مالك في الموطأ عن أبي هريرة قال: جاء رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل أدعو الله، ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم سعر لنا فقال: بل الله يرفع ويخفض وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة. ووجه الدلالة من هذا الحديث هو أن التسعير يعد إجباراً للناس على بيع ما عندهم بغير طيب من أنفسهم، وهذا ظلم لهم.
واستدلوا بما أخرجه البيهقي في سننه من طريق الشافعي عن عمر رضي الله عنه: أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فسعر له مدين لكل درهم، فقال له عمر: قد حُدِّثْت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيباً وهم يعتبرون بسعرك.ز فإما أن ترفع في السعر وأما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه ثم أتى حاطباً في داره فقال له: إن الذي قلت لك ليس بعزمة مني ولا قضاء إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع.
قال الشافعي رحمه الله في سياق هذا الحديث: وبه أقول لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها ولا شيئاً منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلتزمهم، وهذا ليس منها. انتهى
الرأي الثاني: رأي المجيزين للتسعير، وهو ما ذهب إليه الحنفية وبعض المالكية وابن تيمية وابن القيم، يقول صاحب الفتاوى الهندية: ولا يسعر بالإجماع إلا إذا كان أرباب الطعام يتعدون عن القيمة، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فلا بأس به بمشورة أهل الرأي والبصر وهو المختار وبه يفتى.
ويقول ابن العربي المالكي في عارضة الأحوذي بعد ذكره حديث أنس: والتسعير على الناس إذا خيف على أهل السوق أن يفسدوا أموال المسلمين….. وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حق، وما فعله حكم؛ لكن على قوم صح ثباتهم واستسلموا إلى ربهم. وأما قوم قصدوا أكل أموال الناس والتضييق عليهم فباب الله أوسع وحكمه أمضى.
ويقول ابن تيمية في كتابه الحسبة: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به.
وما ذهب إليه الفريق الثاني من جواز التسعير في حالة الغلاء هو الأولى بالأخذ لأنه يوافق روح الشريعة التي تقوم أصلاً على مراعاة الصالح العام، وإذا كانت المصلحة الفردية قد روعيت في كثير من الأحاديث والوقائع فإن مراعاة المصلحة العامة تكون من باب أولى، ويمكن حمل الأحاديث المانعة من التسعير رغم غلاء السعر على أن يكون في الأحوال العادية التي يخضع فيها السعر لما يعرف بقانون العرض والطلب والتي لا دخل فيها لإرادة الإنسان، ولا تكون بسبب الرغبة في زيادة الثمن من قبل أرباب السلع. وأما حينما تستبين الرغبة في الظلم الناتج عن تعمد زيادة الثمن ووضع المشتري تحت الأمر الواقع فهذا مغاير لمفهوم الشريعة وليس هو مفهوم النصوص، ولأن الغلاء بلاء: وهو يؤدي بالإنسان إلى أحد أمرين كلاهما مر:
-أن لا يشتري السلعة رغم حاجته إليها فيقع في الحرج.
-أو أن يضطر إلى شرائها رغم عدم قدرته المادية فيضطر إلى إرهاق نفسه بالدين الذي هو سبب من أسباب الفقر. ولمعرفة المزيد حول هذا الموضوع، ينظر : كتاب (قضايا فقهية معاصرة) للكتور ماجد أبو رضيه.
والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك