الأمانات لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط

كنت في طريقي إلى المطار مع مجموعة من زملائي، وكنت أحتفظ بمبلغ مالي (لي ولأحد زملائي) بالإضافة إلى جواز سفري في شنطة يد صغيرة فقدت الشنطة بعد تحركنا بنحو سبع دقائق، وعدنا للبحث ولم...

الأمانات لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط

س
كنت في طريقي إلى المطار مع مجموعة من زملائي، وكنت أحتفظ بمبلغ مالي (لي ولأحد زملائي) بالإضافة إلى جواز سفري في شنطة يد صغيرة فقدت الشنطة بعد تحركنا بنحو سبع دقائق، وعدنا للبحث ولم نجدها، المبلغ الذي بداخل الشنطة هو كالتالي: 21000 ريال لي، و58000 لصديقي. ما حدث معي بعدها كالتالي، قلت له: أن لا يقلق وأني سأعوضه عن المبلغ، وطلبت منه أن يسافر لأن حفل زفافه كان بعد شهر، رفض أن يسافر، وبعدها بيومين جلسنا وقال لي: بأن الشرع هو الذي يحكمنا ووافقته، وقال لي: بأنه قرأ على بعض المواقع أن من فرّط في شيء يكفله، وأنت فرّطت، وقتها لم أستطع أن أقول له لم أفرط، فلا أدري كيف فُقدت؟ وما هي اللحظة التي غفلت فيها عن الشنطة؟ لكن بنفس الوقت لن أفرّط بشنطة بهذه الأهمية لي وله!! على كل وافقته، وكتبت له ورقة بالمبلغ كاملاً على أنه دين علي، وسامحني بـ15000 ريال، وقال لي بأن أسدد الباقي على أقساط. ما دفعني إلى ذلك ثقتي بأن صاحبي لو تبين لنا أن الحكم الشرعي غير ذلك سيوافق، ولم أرد أن أشغله عن حفل زفافه، وكلت من يسأل لي عن الحكم الشرعي بعد ذلك، وجاءت جميع الإجابات بأني لا أكفل شيئاً لأني عاملتها كما عاملت مالي ولا أعتبر مفرطاً. راجعت صاحبي (لكن بعد حفل زفافه بفترة)، وقال لي بأنه سيفكر بالموضوع، وقلت له: أني سأعطيه نصف مبلغه حتى لو لم يكن علي شيء تقديراً لظروفه، ثم رفض وقال: بأني فرطت وعلي المبلغ كاملا، وأن ما دفعني إلى طلب حكم الشرع هو شعوري بضخامة المبلغ! مع أني قلت له: أني لم أرغب بإزعاجه نظراً لظروفه، لكنه قال لي: أنت كفلت لي المبلغ حتى قبل أن نجتمع ونكتب الورقة ـ يقصد عندما قلت له سافر ـ وهو الآن مصر على أن نكمل حسب الاتفاق. بماذا تنصحونني؟ هل أكمل له حسب الاتفاق؟ لكني لن أسامحه وأخبرته بذلك، وقال لي: بأنه سيتحمل المسؤولية! أم هل أرفض وأكمل له على نصف المبلغ فقط حتى لو اشتكى علي قانونياً؟ أخيراً، أثق أن الله لن يضيعني، مع أني من المقصرين، لكن يومها صليت الفجر في جماعة، وقرأت أذكار الصباح، وكنت ولا أزال أظن بربي خيراً، لكن أعتقد أن هذا لا يتعارض مع مطالبتي بحقي الشرعي.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فمن المقرر في الشريعة أن الأمانات لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي: لا ضمان على مؤتمن.

والتعدي معناه: فعل ما لا يجوز، والتفريط معناه ترك ما يجب، قال ابن قدامة جاء في المغني بعد قول الخرقي: (وليس على مودع ضمان, إذا لم يتعد): وجملته أن الوديعة أمانة, فإذا تلفت بغير تفريط من المودع, فليس عليه ضمان, سواء ذهب معها شيء من مال المودع أو لم يذهب، هذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن أبي بكر, وعلي, وابن مسعود ـ رضي الله عنهم ـ وبه قال شريح, والنخعي, ومالك, وأبو الزناد، والثوري, والأوزاعي, والشافعي, وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى, إن ذهبت الوديعة من بين ماله غرمها; لما روي عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه ضمن أنس بن مالك وديعة ذهبت من بين ماله. قال القاضي: والأولى أصح; لأن الله تعالى سماها أمانة والضمان ينافي الأمانة، ويروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس على المستودع ضمان، ويروى عن الصحابة الذين ذكرناهم، ولأن المستودع مؤتمن فلا يضمن ما تلف من غير تعديه وتفريطه, كالذي ذهب مع ماله, ولأن المستودع إنما يحفظها لصاحبها متبرعا, من غير نفع يرجع عليه فلو لزمه الضمان لامتنع الناس من قبول الودائع, وذلك مضر; لما بيناه من الحاجة إليها, وما روي عن عمر محمول على التفريط من أنس في حفظها, فلا ينافي ما ذكرناه، فأما إن تعدى المستودع فيها, أو فرط في حفظها, فتلفت ضمن, بغير خلاف نعلمه; لأنه متلف لمال غيره, فضمنه, كما لو أتلفه من غير استيداع. اهـ

وعلى ذلك فإن كنت لم تفرط في حفظ الشنطة ـ وهذا الذي يظهر من حالك ـ فلا يلزمك تعويض صاحبك عن شيء من المبلغ ولو وعدته بذلك؛ لأن الوفاء بنحو الوعد المذكور مستحب لا واجب. وانظر الفتوى رقم: 17057، ولمزيد فائدة راجع الفتويين التاليتين أرقامهما: 65886، 223357.

وننبه إلى أنه إذا لم تتوافقا فعليكما أن ترفعا أمركما إلى المحكمة الشرعية، لتحكم بينكما فيما اختلفتما فيه.

والله أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك