استفادة الموظفين من أموال الضريبة

الإخوة الأفاضل . بارك الله فيكم وفي مجهودكم، جعله الله في ميزان حسناتكم. أعيش في دولة فقيرة الموارد الاقتصادية، وتعتبر الضرائب المورد الأساسي والوحيد للدولة كي تمول ميزانيتها. مؤخراً قررت الحكومة فرض ضرائب على...

استفادة الموظفين من أموال الضريبة

س
الإخوة الأفاضل . بارك الله فيكم وفي مجهودكم، جعله الله في ميزان حسناتكم. أعيش في دولة فقيرة الموارد الاقتصادية، وتعتبر الضرائب المورد الأساسي والوحيد للدولة كي تمول ميزانيتها. مؤخراً قررت الحكومة فرض ضرائب على الدخان (السجائر)، وقد حصلت ضجة بسبب حرمة التدخين والسؤال من شقين: أ- هنالك من يقول أنه بما أن الدخان محرم شرعاً فأموال الضرائب عليه محرمة شرعاً، وبالتالي تكون رواتب الموظفين محرمة ومن مال حرام، فهل لهذا الكلام أصل شرعي. علماً بأن البديل هو فرض مزيد من الضرائب على السلع الحلال؟ ب- بناء على حرمة التدخين الأصل أن يمنع بيع الدخان والسجائر، لكن في ظل عموم البلوى بالتدخين هل يمكن اعتبار فرض الضرائب عليه خطوة باتجاه المنع؟ أم يجب منعه بشكل تام مهما كانت النتائج والتبعات؟ راجياً تدعيم الإجابة بالأدلة الشرعية نظراً لما يثيره الأمر من جدل في البلد عندنا. وشكراً.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فبداية ننبه على أن المال المستفاد من التجارة في بيع الدخان مال خبيث لا يحل أكله ولا الانتفاع به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه. رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني.

ويجب التخلص منه بصرفه في أوجه البر أو بذله للفقراء والمساكين، ولمزيد الفائدة نرجو مراجعة الفتوى رقم: 1671.

وأما بخصوص الجواب فنلخص ما يمكن التعرض له في النقاط التالية:

أولا: ينبغي أن يعلم أن الأصل في الضرائب عموما أنها أكل بالباطل لمال المسلم الذي لا يحل إلا بطيب نفس منه، إلا إذا كانت الموارد العامة للدولة لا تفي بحاجة الأمة ومصالحها، وكانت تفرض لسد هذه الحاجة والقيام بتلك المصالح بالفعل، فلا حرج على ولي الأمر في فرضها بالقدر الذي يفي بالغرض دون إجحاف. كما سبق بيانه في الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 592، 65250، 26096، 5811.

ولا يخفى أن هذا الحكم مختص بالضرائب على البضائع التي يحل الاتجار فيها، وإلا فلا يخفى أنه يلزم الدولة المسلمة أن تمنع الاتجار في المحرمات أصلا، فقد قال الله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ. {الحج: 40-41}. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. رواه مسلم.

ومعلوم أن قبول ضريبة على سلعة ما، يعني إقرار الاتجار بها. ولذلك نقول: إن أصحاب هذه الأموال المحرمة لو بذلوها للإمام طواعية على أنها ضريبة على تجارتهم، لم يكن له أن يقبلها بهذا الوصف، بل يجب عليه أن ينهاهم عن هذا الكسب الحرام، ففي صحيح البخاري أن المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ما في الوجود من الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقود لا تباح بالقبض، إن عرفه المسلم اجتنبه. اهـ.

ثانيا: ما تم جمعه بالفعل بهذه الطريقة المحرمة، لا يصح إرجاعه لأصحابه، لأن في إرجاعه إليهم إعانة لهم على منكرهم، وإذا كان الأمر كذلك فإن سبيل هذه الأموال هو صرفه في أوجه البر أو بذله للمستحقين من الفقراء والمساكين، وراجع في ذلك الفتوى رقم: 41720.

ثالثا: لو قبلت الدولة مثل هذه الأموال المحرمة، فهذا لا يعني حرمة التوظف عندها، لأن أموال خزانتها فيها الحلال مع الحرام، فهي مختلطة، ومعاملة حائز المال الحرام، منها المحرم، ومنها المكروه. فتحرم إذا كانت في عين المال الحرام، وتكره إذا كان ماله مختلطا دون تمييز بين حلاله وحرامه، وقد سبق تفصيل ذلك في عدة فتاوى، منها الفتاوى التالي أرقامها: 7707، 70068، 27917، 65355.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الذين غالب أموالهم حرام مثل المكاسين وأكلة الربا وأشباههم.. فهل يحل أخذ طعامهم بالمعاملة أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، إذا كان في أموالهم حلال وحرام ففي معاملتهم شبهة لا يحكم بالتحريم إلا إذا عرف أنه يعطيه ما يحرم إعطاؤه، ولا يحكم بالتحليل إلا إذا عرف أنه أعطاه من الحلال، فإن كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة، وإن كان الحرام هو الأغلب، قيل: بحل المعاملة. وقيل: بل هي محرمة.

رابعا: بالنسبة لمسألة فقر الموارد الاقتصادية، وكون الضرائب المورد هي الوحيد للدولة، فهذا يعني جواز فرضها على وجه مشروع، ولكن لا يعني قبول المنكرات والاتجار في المحرمات، وأما الحاجة والعوز الذي تشكو منه الدولة فقد نزل مثلها أو أشد منها على المجتمع المدني بعد الهجرة، ولنا فيهم الأسوة الحسنة، ويكفينا هنا قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. {التوبة: 28}.

وأخيرا ننبه على أن مسائل السياسة الشرعية المتعلقة بأمور العامة وعموم الأمة، لا بد فيها من الرجوع إلى الراسخين من أهل العلم، الذين جمعوا بين فقه الشرع، ومعرفة واقع الحال المسؤول عنه بتفصيل، ولا يمكن الاكتفاء في مثل هذه الأمور بمجرد فتوى عامة لا يمكن التعرض فيها لتفاصيل الواقع وملابسات الأحوال. فما ذكرنا هنا إنما هو بمثابة الأصل المجمل، الذي يحتاج لتفصيل وتنزيل على الواقع، وتدقيق يناسب تحقيق المصالح المرعية والمقاصد الشرعية. ونسأل الله تعالى أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعته ويحكم فيه بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك