إهداء ثواب الأعمال للغير… رؤية شرعية

فهل يشرع لشكر من أحسن إلي في أمور كثيرة أن أقوم بعض الليالي أصلي فيها و أدعو له خاصة دون نفسي حتى كذلك لأمي مع العلم بكونها ما زالت حية و قد حملت همي...

إهداء ثواب الأعمال للغير… رؤية شرعية

س
فهل يشرع لشكر من أحسن إلي في أمور كثيرة أن أقوم بعض الليالي أصلي فيها و أدعو له خاصة دون نفسي حتى كذلك لأمي مع العلم بكونها ما زالت حية و قد حملت همي صغيرا وإلى الآن ثم هل يجوز الشكر أحيانا بتلاوة القرآن لرد الجميل وإن جاز فهل لهذه الأعمال صيغة إهداء أم تكفي نية القلب أفتونا وفقكم الله؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد حث الشرع على مكافأة المحسن ومبادلته الإحسان بالإحسان، وعلى شكر من قدم للمرء معروفا، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني.

ففي هذا الحديث الحث على مكافأة من أسدى إليك إحسانا، فإن لم يجد المرء شيئا ماديا يكافئه به فتكون مكافأته بالدعاء له وتكرير هذا الدعاء: حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ. كما في الحديث.

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ. رواه الترمذي وقَالَ:هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ غَرِيبٌ ، وصححه الألباني.

قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود: فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِأَحَدٍ جَزَاك اللَّه خَيْرًا مَرَّة وَاحِدَة فَقَدْ أَدَّى الْعِوَض وَإِنْ كَانَ حَقّه كَثِيرًا. انتهى.

والدعاء إذا كان داخل الصلاة فهو أقرب للإجابة لاسيما في السجود فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ. رواه مسلم.

فدعاؤك في صلاتك بالليل أو الدعاء خارج الصلاة لمن أحسن لك والدعاء للوالدة من الأعمال المشروعة بلا خلاف بين العلماء للحي أو الميت، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ {الحشر:10}.

وفي صحيح مسلم عَنْ صَفْوَانَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ وَكَانَتْ تَحْتَهُ الدَّرْدَاءُ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ فَأَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ فَلَمْ أَجِدْهُ وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ فَقَالَتْ: أَتُرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ فَقُلْتُ: نَعَمْ قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ لَنَا بِخَيْرٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ.

واعلم أنه لا حرج على المسلم في الدعاء لأخيه مع ترك الدعاء لنفسه، ويدل لهذا حديث الصحيحين: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر. وحديث الصحيحين: يرحم الله لوطا لقد يأوى إلى ركن شديد.

وأما تلاوة القرآن لرد الجميل كما تقول فلعلك تقصد إهداء ثوابه لمن قدم لك معروفا، فهذه مسألة محل خلاف بين العلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عرضه للخلاف: الناس على قولين:

أحدهما: أن ثواب العبادات البدنية من الصلاة والقراءة وغيرهما يصل إلى الميت كما يصل إليه ثواب العبادات المالية بالإجماع وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما وقول طائفة من أصحاب الشافعي ومالك وهو الصواب لأدلة كثيرة ذكرناها في غير هذا الموضع.

والثاني: أن ثواب العبادة البدنية لا يصل إليه بحال وهو المشهور عند أصحاب الشافعي ومالك. انتهى.

وفي المتأخرين من الشافعية أيضا من ذهبوا إلى أن ثواب القراءة يصل إلى الميت، وحكى النووي في شرح مسلم والأذكار وجها أن ثواب القراءة يصل إلى الميت. واختاره جماعة من أصحاب الشافعي منهم ابن الصلاح والمحب الطبري. وفي تفصيل مذاهب من ذكرنا من العلماء ينظر: مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل، حاشية إعانة الطالبين، تحفة المحتاج، الدر المختار ورد المحتار وما بعدها، فتح القدير، الشرح الكبير، مغني المحتاج، المغني، كشاف القناع، المهذب.

وقد فصل الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح: وما بعدها، الكلام في هذه المسألة ورجح جواز إهداء ثواب جميع الأعمال إلى الغير.

وأنصح السائل بالاقتصار على الأشياء التي ورد بها النص من الدعاء والاستغفار والصدقة ونحوها فهذا هو حال السلف من الصحابة ومن بعدهم وهو أكمل حال.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإذا أهدي لميت ثواب صيام, أو صلاة, أو قراءة, جاز ذلك, وأكثر أصحاب مالك, والشافعي يقولون: إنما يشرع ذلك في العبادات المالية, ومع هذا لم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا, وصاموا, وحجوا, أو قرءوا القرآن. يهدون ثواب ذلك لموتاهم المسلمين, ولا لخصوصهم, بل كان عادتهم كما تقدم, فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف, فإنه أفضل وأكمل. انتهى

وأما عن كيفية هذا الإهداء فإن نوى المهدي وصول ثواب هذا العمل لفلان كفى، وإن قال: اللهم اجعل ثواب عملي هذا لفلان، ونحو هذا من الكلام، كفى أيضا.

ولمزيد من الفائدة يرجى مراجعة الفتاوى ذات الأرقام التالية: 39462، 77143، 72356، 99025.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك