إعطاء الكافر من الزكاة.. رؤية شرعية

والدي أسلم قبل 40 سنة والحمد لله ولكن أهله لم يسلموا أخواته وأمه وأبوه وقد كان يرسل لأمه وأبيه مالا من الزكاة باعتبارهم من المؤلفة قلوبهم وقد توفاهم الله دون أن يسلموا والآن يدفع...

إعطاء الكافر من الزكاة.. رؤية شرعية

س
والدي أسلم قبل 40 سنة والحمد لله ولكن أهله لم يسلموا أخواته وأمه وأبوه وقد كان يرسل لأمه وأبيه مالا من الزكاة باعتبارهم من المؤلفة قلوبهم وقد توفاهم الله دون أن يسلموا والآن يدفع الزكاة لأخواته غير المسلمات، فهل صحيح أنهم يدخلون في باب المؤلفة قلوبهم وهل تكون هذه الزكاة مجزئة؟
جــــ

خلاصة الفتوى:

إذا لم توجد قرائن على أن قرابة أبيك يميلون إلى الإسلام فإن دفع الزكاة إليهم غير مجزئ وتجب إعادتها، وإذا كانت ثمت قرائن تفيد ميلهم إلى الإسلام فإن إعطاءهم حينئذ محل خلاف بين أهل العلم، والظاهر الإجزاء؛ ولكن الأولى تجنب إعطائهم في المستقبل خروجا من الخلاف.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالحمدُ لله الذي هدى أباكِ للإسلام، ونسألُ الله لنا وله الثبات على الحق، والواجبُ أن يُعلم أن الأصل المتفق عليه بين العلماء هو عدم جواز إعطاء الكافر من الزكاة.

قال ابن قدامة في المغني: لا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلافًا فِي أَنَّ زَكَاةَ الأَمْوَالِ لا تُعْطَى لِكَافِرٍ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الذِّمِّيَّ لا يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ الأَمْوَالِ شَيْئًا. وَلأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمُعَاذٍ : أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ, وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ. فَخَصَّهُمْ بِصَرْفِهَا إلَى فُقَرَائِهِمْ (يعني : فقراء المسلمين) , كَمَا خَصَّهُمْ بِوُجُوبِهَا عَلَى أَغْنِيَائِهِمْ. انتهى .

وخُصَّ من هذا العموم صِنفٌ واحد هم المؤلفة قلوبهم؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. {التوبة:60}.

والجمهورُ على أن سهم المؤلفة باق خلافاً للحنفية، والشافعية لا يُجوّزن إعطاء الزكاة للكافر أصلا والمؤلفة عندهم هم ضعاف الإيمان يُعطوْن ليقوى إيمانهم، وعند المالكية والحنابلة أن إعطاء الكفار جائز، وأكثرهم يشترطون أن يكونوا رؤساء مطاعين في أقوامهم بحيثُ تحصل للإسلام مصلحةٌ راجحةٌ بتأليفهم، وأجاز بعضهم دفع الزكاة للواحد المعين من الكفار ولو لم يكن رئيساً مُطاعاً إذا كان يُرجى إسلامه.

والعلة فيه أن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من حفظ الصحة وإحياء البدن.

لكن ينبغي أن يُنتبه إلى أمرٍ مهم هو أن هذا المؤلَف لا بد من أن يكون يُرجى إسلامه فعلاً ، بأن توجد قرائن ظاهرة تدل على ذلك.

قال العلامة العثيمين: وعلم من قوله: «يرجى إسلامه»،أن من لا يرجى إسلامه من الكفار فإنه لا يعطى أملاً في إسلامه، بل لا بد أن تكون هناك قرائن توجب لنا رجاء إسلامه، مثل أن نعرف أنه يميل إلى المسلمين، أو أنه يطلب كتباً أو ما أشبه ذلك، والرجاء لا يكون إلا على أساس؛ لأن الراجي للشيء بلا أساس إنما هو متخيل في نفسه. انتهى.

والخلاصة: أن والدك حين دفع الزكاة إلى أقاربه الكفار لا يخلو من أمرين :

أولهما : أن يكون تساهل في دفعها إليهم دون وجود قرائن ظاهرة تدلُ على ميلهم إلى الإسلام فهذه الزكاة لا تُجزئه قطعاً، ويجبُ عليه إعادة إخراجها.

ثانيهما: أن يكون دفعها إليهم مع وجود قرائن ظاهرة تدل على ميلهم إلى الإسلام ففي هذه المسألة الخلافُ المشار إليه، والظاهر أن الزكاة والحالُ هذه قد أجزأته لأن المسألة اجتهادية فلا يلزمه إعادة إخراجها .

وأما بالنسبة لدفع الزكاة إليهم فيما يُستقبل فإن كان ممن لا يُرجى إسلامهم لعدم وجود قرائن ظاهرة تدل على ميلهم إلى الإسلام فلا يجوزُ دفع الزكاة إليهم يقينا لأنهم ليسوا من المؤلفة قلوبهم، وأما إن وجدت هذه القرائن والتي تقدم ذكر بعضها في كلام الشيخ العثيمين ففي كونهم من المؤلفة قلوبهم الخلاف المشار إليه، والأحوط عدم دفع الزكاة إليهم خروجاً من الخلاف ، وأن تعينوهم وتبروهم بالصدقة والهدية ونحو ذلك فبابُ ذلك واسعٌ .

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك