إذا جمع المسافر الظهر والعصر تقديمًا ثم وصل إلى بلده قبل دخول وقت العصر

مسافر جمع بين الظهر والعصر وهو يعلم، أو يغلب على ظنه أنه سيصل بلده، وتنقطع رخصته للسفر قبل دخول وقت العصر. وقد نقل عن الشيخ محمد المختار الشنقيطيّ في شرح زاد المستقنع أنه لا...

إذا جمع المسافر الظهر والعصر تقديمًا ثم وصل إلى بلده قبل دخول وقت العصر

س
مسافر جمع بين الظهر والعصر وهو يعلم، أو يغلب على ظنه أنه سيصل بلده، وتنقطع رخصته للسفر قبل دخول وقت العصر. وقد نقل عن الشيخ محمد المختار الشنقيطيّ في شرح زاد المستقنع أنه لا تصح صلاته للعصر حينئذ، وعليه أن يعيدها، هذا حاصل كلامه. السؤال: نأمل الإفادة عن خلاف أرباب المذاهب الفقهية في هذه المسألة، ومن قال منهم بعدم صحة صلاته، وأقوالهم مع الأدلة والمصادر. مشكورين.
جــــ

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد:

فإذا جمع المسافر الظهر والعصر تقديمًا، ثم وصل إلى بلده قبل دخول وقت العصر، فإن جمعه صحيح، ولا يبطل، ولا تلزمه إعادة العصر، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، والمالكية، بل نص الحنابلة على أن صلاته صحيحة، ولو قصر العصر، قال ابن قدامة في المغني: وَإِنْ أَتَمَّ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً مُجْزِيَةً عَمّا فِي ذِمَّتِهِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا، فَلَمْ تَشْتَغِلْ الذِّمَّةُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ حَالَ الْعُذْرِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِزَوَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ. اهـ.

وقال المرداوي الحنبلي: لَوْ قَصَرَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا، ثُمَّ قَدِمَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ: أَجْزَأَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُهُ .. اهـ.

والشافعية نصوا على صحة الجمع، وعدم بطلانه بصيرورته مقيمًا بعد الفراغ من الثانية، بل لو أقام في أثناء الصلاة الثانية بأن وصلت السفينة لبلده، فإن صلاته صحيحة، من غير تفريق عندهم بين أن يصير مقيمًا قبل دخول وقت الثانية، أو بعد دخول وقتها، وإنما المعتبر في الصحة أن يصير مقيمًا بعد الفراغ من الصلاة الثانية، قال الإمام النووي في روضة الطالبين: فَلَوْ صَارَ مُقِيمًا فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ الْجَمْعُ … وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ؛ صِيَانَةً لَهَا عَنِ الْبُطْلَانِ بَعْدَ الِانْعِقَادِ، … أَمَّا إِذَا صَارَ مُقِيمًا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا لَا تُؤَثِّرُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ، كَمَا لَوْ قَصَرَ ثُمَّ أَقَامَ .. اهـ.

وفي نهاية المحتاج للرملي الشافعي: وَإذَا صَارَ مُقِيمًا فِي الثَّانِيَةِ، وَمِثْلُهَا إذَا صَارَ مُقِيمًا بَعْدَهَا، لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِلِاكْتِفَاءِ بِاقْتِرَانِ الْعُذْرِ بِأَوَّلِ الثَّانِيَةِ؛ صِيَانَةً لَهَا عَنْ بُطْلَانِهَا بَعْدَ انْعِقَادِهَا، وَإِنَّمَا مَنَعَتْ الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا جَوَازَ الْقَصْرِ لِمُنَافَاتِهَا لَهُ، بِخِلَافِ جِنْسِ الْجَمْعِ لِجَوَازِهِ بِالْمَطَرِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فِي أَثْنَائِهَا، فَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ وَلِهَذَا كَانَ الْخِلَافُ فِيهِ أَضْعَفَ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ: الْبُطْلَانُ، قِيَاسًا عَلَى الْقَصْرِ. اهـ.

والمالكية يرون أن من ينوي النزول في الوقت المختار للثانية (العصر)، أخّرها، ولا يحق له أن يجمعها مع الظهر تقديمًا، ولكنه لو قدمها، أجزأته، وتندب له إعادتها في الوقت فقط، جاء في منح الجليل: وَإنْ نَوَى الِارْتِحَالَ وَالنُّزُولَ قَبْلَ الِاصْفِرَارِ، صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ ارْتِحَالِهِ، وَأَخَّرَ الْعَصْرَ وُجُوبًا لِيُصَلِّيَهَا فِي مُخْتَارِهَا، فَإِنْ قَدَّمَهَا مَعَ الظُّهْرِ، صَحَّتْ، وَنُدِبَتْ إعَادَتُهَا فِي مُخْتَارِهَا بَعْدَ نُزُولِهِ .. اهـ.

والحنفية ليس عندهم جمع في السفر أصلًا، والجمع عندهم بعرفة ومزدلفة فقط، جاء في الموسوعة الفقهية: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ، فَمُسَوِّغُ الْجَمْعِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْحَجُّ فَقَطْ، وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمُ الْجَمْعُ لإِيِّ عُذْرٍ آخَرَ، كَالسَّفَرِ، وَالْمَطَرِ. اهـ.

هذا خلاصة أقوال المذاهب الفقهية فيما سألت عنه.

وأما ما نقلتَه عن الشيخ الشنقيطي -حفظه الله تعالى- في شرح الزاد، فقد اطلعنا على كلامه، وقد نسب إلى جمهور الفقهاء عدم صحة الجمع المذكور، معللًا ذلك بأن من شرط الجمع عندهم استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية، فقد سئل -حفظه الله تعالى- من جمع صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم، ثم وصل إلى بلده قبل دخول وقت العصر، فهل عليه الإعادة؟

فأجاب بقوله -حفظه الله تعالى-: الجمهور على أن من جمع، ثم رجع إلى بلده قبل دخول وقت الثانية، فيجب عليه أن يعيد الصلاة؛ ذلك لأنه يشترط في صحة جمع الصلاة الثانية في وقت الأولى أن يدخل وقت الثانية وهو مسافر، فإذا دخل عليه وهو مقيم، فقد خاطبه الله بأربع ركعات؛ لأنه إذا أذن عليه الأذان، فقد خاطبه الله بأربع ركعات، وهو قد صلى ركعتين، ومن هنا تجب عليه الإعادة، ولا يستبيح بهذا الوجه الرخصة، ومن هنا قال العلماء: ويشترط في جمع التقديم أن يستمر عذر الجمع -الذي هو السفر- إلى دخول وقت الصلاة الثانية، بأن يدخل وقت الثانية، وهو مسافر … انتهى كلامه.

والذي يظهر لنا أن هذا الكلام غير صحيح، فقد نقلنا لك أقوال الحنابلة، والشافعية، والمالكية.

وأما اشتراط استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية؛ فهذا يشترطونه للجمع بين الصلاتين في وقت الثانية، وليس للجمع بين الصلاتين في وقت الأولى، قال صاحب الزاد: وإن جمع في وقت الثانية، اشترط نية الجمع في وقت الأولى … واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية .. اهـ.

فالمسافر إذا نوى جمع الظهر والعصر تأخيرًا في وقت العصر، ثم قدم إلى بلده قبل دخول وقت العصر، وجب عليه أن يصلي الظهر، ولا يصح أن يؤخرها للعصر؛ لأن عذر السفر انقطع، فكلام الشيخ -حفظه الله تعالى- نظن أن فيه شيئًا من عدم الدقة، والكمال لله تعالى، والخطأ وارد على كل أحد.

والله تعالى أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك