نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان وموقفها في الفتنة

نائلة بنت الفرافصة هي الزوجة الثامنة من زوجات الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنهما، كانت نصرانية وبعد إسلامها بوقت قصير حفظت القرآن والسنة وحسن إيمانها رضي الله عنها، عندما حدثت الفتنة في...

نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان وموقفها في الفتنة

س
نائلة بنت الفرافصة هي الزوجة الثامنة من زوجات الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنهما، كانت نصرانية وبعد إسلامها بوقت قصير حفظت القرآن والسنة وحسن إيمانها رضي الله عنها، عندما حدثت الفتنة في عهد عثمان بن عفان وحاصروا داره، ومنعوا عنه الزاد والماء، بل ومنعوه من الخروج للصلاة، وطالبوه بأن يترك الخلافة، فأعلن رفضه قائلاً: لن أخلع قميصا كسانيه الله تعالى، ثم تسوروا عليه الدار، وهم شاهرون سيوفهم يريدون قتله، وما إن ألقى الرجال بحبالهم على أسوار منزله ودخلوا عليه حتى أسرعت نائلة تنشر شعرها، فقال عثمان : خذي خمارك؛ فإن حُرمة شَعْركِ أعظم عندي من دخولهم علي، ولما هجم عليه أحدهم ـ وهو يقرأ القرآن ـ وهوى عليه بسيفه، تلقت نائلة السيف بيدها، فقطعت أناملها، فصرخت على رباح غلام عثمان، فأسرع نحو الرجل فقتله، وبينما كانت تهرع لإمساك سيف رجل ثانٍ لكن الرجل تمكن من أن يقطع أصابع يدها، وحين هموا بقطع رأسه ألقت عليه بنفسها إلا أنهم لم يرحموا ضعفها، ولم يعرفوا لعثمان قدره، وبعد أن تمكنوا من عثمان ، وسال دمه على المصحف، حزوا رأسه، ومثَّلوا به، فصاحت والدم يسيل من أطرافها : إن أمير المؤمين قد قُتل، إن أمير المؤمنين قد قُتِل، ثم دخل رجل عقب مقتل عثمان، فقال لها : اكشفي عن وجهه، قالت : ولِمَ؟ قال الرجل : ألِطم حُرِّ وجهه فقد أقسمت بذلك، فقالت : ويحك أما ترضى ما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : إنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين إلى الإسلام ، وهو ذو النورين، ولكنه لم يأبه لكلامها، فقال : اكشفي عن وجهه، ثم هجم عليها، فلطم وجه عثمان، فدعت عليه قائلة : يبس الله يدك وأعمى بصرك فاستجاب الله دعوتها . فما صحة هذا الكلام ؟
جــــ

أولا:

حادثة استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه، هي من الحوادث التي تواترت بها الروايات، وقد سبق في موقعنا ذكر نبذة عن هذا.

وكذا زواجه رضي الله عنه بنائلة بنت الفرافصة وكانت نصرانية فأسلمت، هذه من الحوادث التي اتفق عليها أهل السير والتاريخ، واشتهرت بها الأخبار، ومن ذلك ما رواه ابن شبة في “تاريخ المدينة” (3 / 981)، قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ الْفُرَافِصَةِ الْكَلْبِيِّ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ، مَلَكَ عُقْدَةَ نِكَاحِهَا وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ حَتَّى تَحَنَّفَتْ حِينَ قَدِمَتْ عَلَيْهِ.

ورواه البيهقي في “السنن الكبرى” (14 / 293) بإسناده عن ابْنُ وَهْبٍ، عن سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ.

وهذا الإسناد رواته من أهل المدينة -باستثناء بشر بن عمر- مقبولون؛ غير أنّ عمرو بن أبي عمرو، قد وثّق لكن ربما يهم، وأبو الحويرث وهو عبد الرحمن بن معاوية الزرقي قال عنه الحافظ ابن حجر في “التقريب” (ص 350): “صدوق سيء الحفظ”.

ومثل هذا الإسناد لا بأس به ، في مثل هذه الروايات التاريخية ونحوها .

وكون نائلة رحمها الله تعالى أخذت شيئا من العلم عن زوجها عثمان رضي الله عنه؛ فهذا مما لا يستبعد؛ لكن لم نقف على ما يشير إلى مقدار سعة علمها بالكتاب والسنة.

ثانيا:

حادثة كشف نائلة رحمها الله تعالى لشعرها؛ أثناء مقتل زوجها عثمان رضي الله عنه؛ هو خبر رواه ابن شبة في “تاريخ المدينة” (4 / 1300)، قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ أبي الجرّاح مَوْلَى أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَ: ” كُنْتُ مَعَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدَّارِ. فَمَا شَعَرْتُ وَقَدْ خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَنَحْنُ نَقُولُ: هُمْ فِي الصُّلْحِ، إِذَا بِالنَّاسِ قَدْ دَخَلُوا مِنَ الْخَوْخَةِ وَتَدَلَّوْا بِأَمْرَاسِ الْحِبَالِ مِنْ سُورِ الدَّارِ وَمَعَهُمُ السُّيُوفُ، فَرَمَيْتُ بِسَيْفِي وَجَلَسْتُ عَلَيْهِ، وَسَمِعْتُ صِيَاحَهُمْ، فَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى مُصْحَفٍ فِي يَدِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِلَى حُمْرَةِ أَدِيمِهِ، وَنَشَرَتْ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفُرَافِصَةِ شَعْرَهَا، فَقَالَ لَهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خُذِي خِمَارَكِ فَلَعَمْرِي لَدُخُولُهُمْ عَلَيَّ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ شَعْرِكِ”.

وهذا الإسناد فيه عبد الواحد بن عمير ولم نقف له على ترجمة؛ إلا أن يكون هو عبد الواحد بن عبد اللَّه بن كعب بن عُمَير فهو ثقة، فالله أعلم.

فإن كانت الحادثة صحيحة؛ فالظاهر من الخبر أن نائلة رحمها الله تعالى أرادت أن تحرجهم، فلا يدخلوا إذا علموا أنها بغير خمار، وكان أصحاب الفتنة يتظاهرون بالصلاح وحب العدل.

وقد ورد ما يدل على هذا المعنى لكن إسناده ضعيف، فروى ابن شبة أيضا (4 / 1283)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْهُذَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَزْهَرَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: ” دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَتْ نَائِلَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا أُلْقِي خِمَارِي عَنِّي، لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ عَنْ بَعْضِ مَا يُرِيدُونَ؟ قَالَ: الَّذِي يَطْلُبُونَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِمَّا تَذْكُرِينَ “.

وأبو قلابة تابعي بصري لم يشهد الحادثة.

وعَمْرو بن الأزهر الواسطي، ضعيف الحديث.

قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:

” عمرو بن ازهر العتكى نزل بغداد، روى عن ابن جريج.

رماه أبو سعيد الحداد بالكذب. سمعت أبي يقول ذلك.

قرئ على العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: عمرو بن ازهر كان بواسط بصرى ضعيف الحديث.

سألت ابى عن عمرو بن الازهر، فقال: هو متروك الحديث ” انتهى من “الجرح والتعديل” (6 / 221).

على أن قوله عثمان رضي الله عنه في هذه الرواية: ( الَّذِي يَطْلُبُونَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِمَّا تَذْكُرِينَ ) ، هو وجه الكلام ، وهو المعقول منه ؛ ومراده : أنهم إذا لم يعظموا حرمة الدماء ، مع ما عظمها الله ، وما ورد في الشرع من عظيم حرمتها عند رب العالمين؛ فكيف يعظمون حرمة وجه المرأة، إذا رفعت عنها خمارها، أو يقيمون لذلك وزنا أصلا ؟!

ثالثا:

دعوتها على من أساء إلى عثمان رضي الله عنه، رواها ابن أبي الدنيا في “مجابو الدعوة” (29) حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشِ بْنِ الْعَجْلَانَ، حَدَّثَنِي مُعَلَّى بْنُ عِيسَى الْوَرَّاقُ، عَنْ شَدَّادٍ الْأَعْمَى، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ مِنْ بَنِي رَاسِبٍ قَالَ:” كُنْتُ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَإِذَا رَجُلٌ أَعْمَى يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَمَا أَرَاكَ تَفْعَلُ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ قَالَ: إِنَّ لِي شَأْنًا، آلَيْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي لَئِنْ قُتِلَ عُثْمَانُ لَنَلْطُمَنَّ حُرَّ وَجْهِهِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأْسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَتِهِ ابْنَةِ الْفُرَافِصَةِ، فَقَالَ لَهَا صَاحِبِي: اكْشِفِي عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَتْ: لِمَ؟ قُلْتُ: أَلْطُمُ حَرَّ وَجْهِهِ، قَالَتْ: أَمَا تَرْضَى مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ فِيهِ كَذَا وَكَذَا، فَاسْتَحْى صَاحِبِي فَرَجَعَ، فَقُلْتُ: اكْشِفِي عَنْ وَجْهِهِ، قَالَ: فَذَهَبَتْ تَعْدُو عَلَيَّ، فَلَطَمْتُ وَجْهَهُ، فَقَالَتْ: مَا لَكَ، يَبَّسَ اللَّهُ يَدَكَ، وَأَعْمَى بَصَرَكَ، وَلَا غَفَرَ لَكَ ذَنْبًا، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مِنَ الْبَابِ حَتَّى يَبِسَتْ يَدِي، وَعَمِيَ بَصَرِي، وَمَا أَرَى اللَّهَ يَغْفِرُ ذَنْبِي”.

وهذا أسناد ضعيف يدور على رواة مجاهيل.

وروى ابن أبي الدنيا أيضا (30)، قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَمِيلٍ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو: ” كَانَ رَجُلٌ قَدْ يَبِسَ وَشَحِبَ مِنَ الْعِبَادَةِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ حَلَفْتُ أَنْ أَلْطُمَ عُثْمَانَ، فَلَمَّا قُتِلَ جِئْتُ فَلَطَمْتُهُ، فَقَالَتْ لِي امْرَأَتُهُ: أَشَلَّ اللَّهُ يَمِينَكَ، وَصَلَّى وَجْهَكَ النَّارَ، فَقَدْ شَلَّتْ يَمِينِي وَأَنَا أَخَافُ”.

فهذا إسناد ظاهره الصحة غير أن متن الخبر يشير إلى وجود انقطاع فيه؛ فطعمة بن عمرو ساق الخبر بصيغة تدل على أنه أُخْبِر عن هذا الرجل ولم يلقه، لكن مثل هذا يستأنس به في الأخبار التاريخية.

رابعا:

وأما جرح يدها دفاعا عن زوجها ، فقد تتابع الإخباريون وأهل التاريخ على ذكره، كما في “تاريخ المدينة” لابن شبة (4 / 1286)، و”تاريخ الطبري” (4 / 391)، لكن لم نقف على رواية صحيحة تقطع بهذا.

وأما قطع رأس عثمان رضي الله عنه، فلم يثبت.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك