أحكام مطالبة أصحاب الحقوق التي على الشركة من أحد الشريكين

لدينا شركة: أنا وشريك لي، وقد عملنا في مشروع، وقمت أنا بتكليف أشخاص للعمل في مشروع للشركة، بموافقة شريكي. تم الانتهاء من المشروع، وقام الأشخاص المكلفون بالقيام بجميع مهامهم، وقام شريكي باستلام المبلغ المستحق...

أحكام مطالبة أصحاب الحقوق التي على الشركة من أحد الشريكين

س
لدينا شركة: أنا وشريك لي، وقد عملنا في مشروع، وقمت أنا بتكليف أشخاص للعمل في مشروع للشركة، بموافقة شريكي. تم الانتهاء من المشروع، وقام الأشخاص المكلفون بالقيام بجميع مهامهم، وقام شريكي باستلام المبلغ المستحق لنا، ووضعه في حسابه، ويرفض إعطاء الأشخاص الذين تم تكليفهم من قبلي -بموافقته- المبالغ المستحقة لهم، ويقول: خذوا مستحقاتكم من الشخص الذي اتفق معكم. وهذا الكلام مضى عليه سنة من الأخذ والرد. ولن يقوم بإعطائهم شيئا. هل يجب علي إذا كنت قادرا على التسديد لهم، أن أسدد من جيبي الخاص بالنيابة عن الشركة؟ وإذا لم أسدد وأنا قادر. هل علي إثم؟ وإذا لم أكن قادرا على التسديد. هل علي إثم إذا لم أسدد؟ وما الحكم في حال قمت بالاستدانة بشكل شخصي، لأقوم بالتسديد لهم عن الشركة؟ وهل للشركة ذمة مالية مستقلة، ومنفصلة عن الذمة المالية لأصحابها؟ وجزاكم الله خيرا.
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فذمة الشريكين في شركة العقود ذمة واحدة، فكل منهما حَميل وكفيل عن شريكه في ديون الشركة. ولصاحب الدين أن يطالب أيّاً منهما بما له على الشركة، ثم يرجع كل شريك على شريكه بما تحمَّل عنه.

قال المَرْغِينانيّ في الهداية: (وما يلزم كل واحد منهما من الديون بدلا عما يصح فيه الاشتراك، فالآخر ضامن له) تحقيقا للمساواة، فمما يصح الاشتراك فيه الشراء والبيع ‌والاستئجار .. اهـ.

وقال البابرتي في العناية شرح الهداية: أما صورة البيع والشراء فظاهرة.

وأما صورة الاستئجار فهو أن يستأجر أحد المتفاوضين أجيرا في تجارتهما، أو دابة أو شيئا من الأشياء. للمؤجر أن يأخذ أيهما شاء؛ لأن الإجارة من عقود التجارة، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بما يلزمه بالتجارة ..

فللمكارى أن يأخذ أيهما شاء، إلا أن شريكه إذا أدى من خالص ماله، رجع به عليه؛ لأنه أدى ما كفل عنه بأمره، وإن أدى من مال الشركة يرجع عليه بنصيب من المؤدى. اهـ.

وقال البابرتي أيضا: إذا افترق المتفاوضان وعليهما دين، فلأصحابه أن يأخذوا أيهما شاءوا بجميع ذلك. فإن أدى أحدهما شيئا لم يرجع على شريكه بشيء حتى يزيد المؤدى على النصف، فيرجع بالزيادة؛ لأنها تنعقد على الكفالة بما كان من ضمان التجارة، وحينئذ كان للغرماء أن يطالبوا أيهما شاءوا بجميع الدين؛ لأن الكفالة تثبت بعقد المفاوضة قبل الافتراق، فلا تبطل بالافتراق، فإذا طلبوا أحدهما وأخذوا الدين منه ليس له أن يرجع على صاحبه حتى يؤدي أكثر من النصف. اهـ.

وانظر الفتويين: 264853، 59764.

وعلى ذلك، فأصحاب هذه الحقوق إن طالبوا السائل بحقهم، وجب عليه بذله كله لهم، من ماله إن كان له مال، ثم بعد ذلك يرجع على شريكه بما عليه.

وأما إن لم يكن له مال خاص، فهو معسر، والمعسر لا يجب عليه الاستدانة، بل يجب على غريمه إنظاره إلى الميسرة، كما قال تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ {البقرة:280}.

قال السعدي: {وإن كان} المدين {ذو عسرة} لا يجد وفاء {فنظرة إلى ميسرة} وهذا واجب عليه أن ينظره حتى يجد ما يوفي به {وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} إما بإسقاطها أو بعضها. اهـ.

وراجع للفائدة، الفتوى: 12311.

ومع ذلك فلو استدان وقضى حقهم، فلا حرج عليه، فقد استبدل بذلك دينا بدين.

وأما مسألة الشخصية الاعتبارية، فهي محل بحث وتفصيل بين المعاصرين، وخاصة في أثر التفريق بين الشخصيتين على اختلاف الأحكام الفقهية المتعلقة بهما، كما سبقت الإشارة إليه في الفتوى: 382516. ولكن هذا لا يعني خلو ذمة الشركاء من الحقوق الثابتة في ذمة الشركة.

قال الشيخ علي الخفيف في كتابه: الشركات في الفقه الإسلامي، ص 35، 36: لم نجد من فقهاء الإسلام من يرى أن للشركات ذمة مستقلة؛ لأنها مملوكة لأشخاص معينين، فهي وما يترتب عليها من حقوق لأربابها وهم الشركاء فيها …

ومما انبنى على ذلك في الفقه الإسلامي أن ما يترتب من ديون على تصرف أي شريك في الشركة، لا يقتصر وفاؤه على رأس مال الشركة، بل يتجاوزه إلى أموال الشركاء الخاصة الخارجة عن عقد الاشتراك؛ إذ إن الدين عند ثبوته يثبت في ذمة المتصرف باعتباره مباشرا للعقد بصفة الأصالة عن نفسه، وباعتباره كذلك وكيلا عن أصحابه، فكان له بناء على هذه الوكالة حق الرجوع على أصحابه بما يخصهم من الدين. وهذا عند الفقهاء جميعا بناء على أنه ليس للشركة ذمة.

أما التشريع الوضعي ففي الشركة المدنية، نصت المادة 523 مدني على ما يلي: “إذا لم تف أموال الشركة بديونها كان الشركاء مسؤولين عن هذه الديون في أموالهم الخاصة، كل بنسبة نصيبه في خسائر الشركة، ما لم يوجد اتفاق على نسبة أخرى. ويكون باطلاً كل اتفاق يعفي الشريك من المسؤولية عن ديون الشركة. اهـ.

والله أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك