أحكام بيع السلعة الغائبة

ما حكم شراء بضاعة مملوكة لتاجر، لكنها غير حاضرة في مجلس العقد، وإنما موجودة في مخزنه، سواء كان الدفع نقدًا أو آجلاً؟ هل يدخل هذا البيع في حكم بيع الموصوف في الذمة، أم البيع...

أحكام بيع السلعة الغائبة

س
ما حكم شراء بضاعة مملوكة لتاجر، لكنها غير حاضرة في مجلس العقد، وإنما موجودة في مخزنه، سواء كان الدفع نقدًا أو آجلاً؟ هل يدخل هذا البيع في حكم بيع الموصوف في الذمة، أم البيع عن طريق الكتالوج (النموذج)؟ فعند الشراء، يستلم الزبون إيصالًا بالبضاعة، ثم يذهب لاستلامها من المخزن، سواء دفع الثمن نقدًا، أو بشيكٍ آجل، أو دفع جزءًا منه. كما أن هذه البضاعة غير معينة بإشارة أو نحوها. فمثلاً: يذهب زبون إلى محل أو إدارة شركة تبيع الأجهزة الكهربائية، وتكون لدى الشركة كميات كبيرة من كل جهاز من طراز معين وماركة محددة، فيتعاقد الزبون على شراء أحد هذه الأجهزة دون تحديد جهاز بعينه، بعد أن اطلع على صورته ومواصفاته من الكتالوج أو عبر الإنترنت، ودفع الثمن يكون نقدًا، أو دفع جزء من الثمن، أو الشراء بالتقسيط، أو بالدفع الآجل. وبعد إتمام العقد، يستلم الزبون إيصالًا بجهاز التكييف، ثم يتوجه إلى المخزن لاستلام أحد الأجهزة المتماثلة، وينطبق ذلك -أيضًا- في حالة الاتفاق على توصيل الجهاز إلى منزل الزبون، حيث يدفع جزءًا من الثمن عند العقد، ثم يسدد باقي المبلغ عند التسليم. مثال آخر: إذا تم التعاقد عن طريق الإنترنت أو الهاتف، ودفع المشتري كامل المبلغ أو جزءًا منه (عبر تحويل لحساب البائع) أو لم يدفع شيئًا، ثم قامت الشركة بتوصيل أحد الأجهزة المتماثلة إلى منزل المشتري، سواء دفع عند الاستلام أو دفع قسطًا من الثمن. فهل هذه المعاملات تدخل في باب بيع الموصوف في الذمة، الذي يشترط فيه دفع الثمن كاملًا عند مجلس العقد (وهو ما يُعرف بالسَّلم الحال)، نظرًا لأن البضاعة مملوكة، ولكنها موصوفة وغائبة، وغير معينة؟ أم إن هذا من قبيل بيع النموذج؟ والإشكال هنا هو: في حالة البيع عبر الهاتف أو الإنترنت، حيث يفترق البائع والمشتري عن مجلس العقد بعد انتهاء الحديث، دون تسليم الثمن أو استلام المبيع، وكذلك المبيع موصوف، لكنه غير معين بإشارة أو نحوها، والبائع نفسه لا يحدد بضاعة معينة عند التعاقد، وإنما يمتلك عددًا كبيرًا من نفس النوع، ويحدد الجهاز المبيع فقط عند التغليف والشحن. فما الحكم الشرعي لهذه المعاملات؟
جــــ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإذا كانت البضاعة في ملك البائع، وكانت غائبة عن مجلس العقد، جاز بيعها على الصفة المميزة لها، على الرَّاجح من أقوال أهل العلم في بيع الغائب.

قال ابن جزي في القوانين الفقهية: يجوز في المذهب بيع الشيء الغائب على الصفة، أو رؤية متقدمة، وأجازه أبو حنيفة من غير صفة ولا رؤية، ومنعه الشافعي مطلقًا. اهـ.

وقال القاضي عبد الوهاب في المعونة: إذا ثبت جواز بيع الغائب بالصفة، فالذي يحتاج إليه من ذلك كل صفة مقصودة تختلف الأغراض باختلافها، وتتفاوت الأثمان لأجلها، وتقل الرغبة في العين، وتكثر بحسب وجودها وعدمها. اهـ.

وجاء في الموسوعة الفقهية: إذا كان المبيع غائبًا، فإما أن يشتري بالوصف الكاشف له، على النحو المبين في عقد السلم، وإما أن يشتري دون وصف، بل يحدد بالإشارة إلى مكانه، أو إضافته إلى ما يتميز به … وبيع الغائب مع الوصف صحيح عند الجمهور في الجملة. اهـ.

ويجوز في بيع الغائب نقد الثمن كله أو بعضه من غير اشتراط من البائع، أما إن اشترط البائع نقد جميع الثمن؛ فيصح هذا فيما يؤمن تغيُّره، كالأجهزة الواردة في السؤال. قال القاضي عبد الوهاب في المعونة أيضاً: المبيع على ‌ثلاثة أضرب: عين حاضرة، وغائبة عن العقد، وسلم في الذمة غير معين. اهـ.

ثم قال: إن تبرع المشتري في بيع الغائب بنقد الثمن أو بعضه قبل مجيء المبيع، جاز. فأما إن اشترط البائع عليه النقد، فيجوز في المأمون، لعدم تغيُّره، وأمنه في الغالب -كالعقار، والدور-، ولا يجوز في الحيوان، والمأكول، وما لا يؤمن تغيُّره، والفرق أن المأمون يقبل الغرر فيه، وغير المأمون يكثر الغرر فيه، فاشتراط النقد فيه غرر، ولأنه يدخله سلف وبيع؛ لأن النقد يتردد بينهما، لأن المبيع إن سلم كان نقدًا، وإن لم يسلم كان البائع قد انتفع بالثمن ثم رده إلى المشتري. اهـ.

وراجع للفائدة الفتاوى: 103465، 61817، 62802.

والله أعلم.

ذات صلة
الطلاق مباح عند الحاجة والزنا جريمة في كل الشرائع السماوية
أنا إيطالي، أبلغ من العمر 59 عامًا، وأنا على وشك اعتناق الإسلام، ولديَّ شك في أن يتم الرد عليَّ قبل أن...
المزيد »
الترغيب في النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة، غير متزوج، ومن أسرة متوسطة، أعمل مهندسا، براتب مهم، وأقوم بمساعدة والدي شهريا، بقدر...
المزيد »
إصرار البنت على ألا تتزوج حتى تتوظف على خلاف رغبة أمها وإخوتها
أختي تبلغ من العمر 25 سنة، وتريد العمل، ولا تريد الزواج، وأمي وإخوتي يريدون هذا الأخير، وهي مصرة على...
المزيد »
المفاضلة بين الزواج وتركه لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء
ما حكم أخذ المنشطات لمن لا يجد في نفسه رغبة في النساء، أم إن تركه للزواج أفضل؟
المزيد »
ماذا يفعل من يرغب في النكاح مع عجزه عن مؤنته؟
أنا في سن الثامنة عشرة، وأنا طالب، وليس لديَّ أيُّ دخل، أو سكن خاص، أعيش مع والديَّ. كنت على علاقة بامرأة،...
المزيد »
الموازنة بين الزواج مع السكن مع الأهل أم تأخيره لوقت اليسار
أود أن أعرف ما إذا كان جائزًا أن أتزوج، وأحضر زوجتي إلى منزل عائلتي، بسبب ضيق الحال المالي، حتى ييسر...
المزيد »
عزوف الشباب عن الزواج بسبب بعض الأعراف التي تحمله ما لا يطيق
أنا غير متزوج، وذلك لأن العادات في بلدنا في الزواج تتضمن كتابة قائمة منقولات -سواء قام الزوج بشرائها...
المزيد »
هل للمرأة رفضُ الزواج خوفا من عدم القيام بحقوق الزوج؟
أنا فتاة كبيرة. كنت أرفض الزواج، ولا أقابل الخُطاب أبدا؛ لأني أشعر أني لا أستطيع تحمل مسؤولية بيت، وزوج،...
المزيد »
هل يجب الزواج على طالب الجامعة ميسور الحال؟
أنا طالب في السنة الثانية في الجامعة، وميسور الحال. فهل عليَّ الزواج بناء على حديث النبي -صلى الله عليه...
المزيد »
هل يأثم الرجل إذا لم يتزوج ممن تعشقه وترفض الخُطَّاب من أجله؟
أنا شاب متزوج منذ ثمانية أعوام، ولديَّ ثلاثة أولاد، زوجتي بارَّة بي، ولا ينقصني منها شيء، ولله الحمد،...
المزيد »
هل يتعارض رفع الحرج عن المكلفين مع عدم قدرة بعضهم على الزواج؟
أنا شاب عزب، أذوق العذاب يوميًّا؛ لأنني أفتقد من يشبع عاطفتي، قد تظنون أنني أعترض على الله، ولكن سؤالي...
المزيد »
أقوال العلماء فيمن لم يقدر على مؤنة النكاح
أنا شاب عمري 29 سنة. كنت أملك عملًا خاصًا، ولكنني خسرت فيه، والحمد لله على كل حال. لم أتزوج بعد، وأرغب...
المزيد »
توجيهات لمن لم يقدر على الزواج
لم أتمكن من الزواج لمدة 13 سنة (من عمر 18 سنة إلى الآن 31 سنة) بسبب عدم وجود القدرة المالية. وقد ارتكبت...
المزيد »
مذاهب الفقهاء في الزواج مع الفقر، وأحكام الإنكاح والأمر بالاستعفاف
كيف نجمع بين قول الله تعالى: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"، وبين قوله تعالى:...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك