أحكام المدين غير القادر على السداد، وهل يبيع سكنه وسكن عياله؟

رجل بلغ الستين من عمره، عليه ديون كثيرة قديمة، والدائنون لا يطالبون بها، وبينهم عقد على دفع الديون متى ما توفرت. كما أنه غير قادر على سدادها، ويخشى الموت، والدين في رقبته. يسأل عما...

أحكام المدين غير القادر على السداد، وهل يبيع سكنه وسكن عياله؟

س
رجل بلغ الستين من عمره، عليه ديون كثيرة قديمة، والدائنون لا يطالبون بها، وبينهم عقد على دفع الديون متى ما توفرت. كما أنه غير قادر على سدادها، ويخشى الموت، والدين في رقبته. يسأل عما إذا كان جائزًا بيع بيت الزوجية والسكن، لأجل قضاء الدين. مع العلم أن المنزل فيه زوجته وابنته العزباء وأخته العزباء. يريد بيعه، ويكتري بيتًا لهم، مع العلم أن ظروفه المالية ليست في أحسن حالاتها، ليسدد بمبلغ البيع دينه. لكن في حالة الوفاة قد لا يستطيعون سداد أجرة الكراء، وبالتالي قد يجدون أنفسهم في الشارع حينها، لا قدر الله. فهل يجوز له بيع البيت؟
جــــ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فلا حرج عليك في بيع البيت لقضاء الدين، ما دمت قادرًا على استئجار آخر، ولن تضيِّع من تعول. ولكن لا يلزمك ذلك طالما أن الغرماء لم يطالبوا به، ولم يرفعوا الأمر للقاضي للحجر عليك وبيع ممتلكاتك. وراجع في ذلك الفتوى: 460582.

وهنا ننبه إلى أمور:

الأول: أن المدين المعسر يجب تأجيله إلى الميسرة، كما يستحب التصدق عليه بدينه، أو التنازل له عن شيء منه؛ كما قال تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ {البقرة:280} وانظر للفائدة الفتويين: 34990، 158771.

والثاني: أنه إذا حُجِر على المفلس، وبيع ماله لقضاء دينه، فإنه يترك له دار سكناه التي لا غنى له عنها، كما يترك له ثوبه وقوته، على الراجح من قولي أهل العلم.

قال ابن قدامة في المغني: لا تُبَاعُ دَارُه التي لا غِنًى له عن ‌سُكْنَاهَا. وبهذا قال أبو حنيفةَ وإسحاقُ. وقال شُرَيْحٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: تُبَاعُ، ويَكْتَرِي له بَدَلَها. واخْتَارَهُ ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال في الذي أُصِيبَ في ثِمَارٍ ابْتَاعَها، فكَثُرَ دَيْنُه، فقال لِغُرَمَائِه: “خُذُوا ما وَجَدْتُمْ”. وهذا مما وَجَدُوهُ، ولأنَّه عَيْنُ مالِ المُفْلِسِ، فوَجَبَ صَرْفُه في دَيْنِه، كسَائِرِ مَالِه. ولَنا، أنَّ هذا ممَّا لا غِنًى لِلْمُفْلِسِ عنه، فلم يُصْرَفْ في دَيْنِه، كثِيَابِه وقُوتِه، والحَدِيثُ قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم يكن له عَقَارٌ، ولا خَادِمٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ” ممَّا تُصُدِّقَ به عليه، فإنَّ المَذْكُورَ قبلَ ذلك.

كذلك رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ”. فتَصَدَّقُوا عليه، فلم يَبْلُغْ ذلك وَفَاءَ دَيْنِه، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ”. أي ممَّا تُصُدِّقَ به عليه، والظَّاهِرُ أنَّه لم يُتَصَدَّقْ عليه بِدَارٍ وهو مُحْتَاجٌ إلى سُكْنَاهَا، ولا خَادِمٍ وهو مُحْتَاجٌ إلى خِدْمَتِه، ولأنَّ الحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِثِيَابِ المُفْلِسِ وقُوتِه، فنَقِيسُ عليه مَحلَّ النِّزَاعِ، وقِيَاسُهم مُنْتَقِضٌ بذلك أيضًا، وبَأَجْرِ المَسْكَنِ، وسَائِر مَالِه يَسْتَغْنِي عنه، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. اهـ.

والثالث: أن المدين إذا مات، ولم يكن في تركته ما يقضى به دينه، فإن ماله يباع ويقسم بين غرمائه إذا لم يتنازلوا عن حقهم؛ لأن قضاء الدين مقدم على حق الورثة بالإجماع، لقوله تعالى في قسم التركة: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: 11].

والرابع: أن من اقترض ونِيَّتُهُ أن يؤدِّيَ دَيْنَه، ثم عجز عن أدائه دون تفريط منه، فلا تَبِعة عليه في الآخرة -إن شاء الله تعالى-، فلا يؤخذ من حسناته لصاحب الدين، بل يتكفل الله عنه لصاحب الدين، ويرضه عنه من فضله، كما سبق بيانه في الفتوى: 414490، وما أحيل عليه فيها.

والله أعلم.

ذات صلة
الأثر الواضح على الجزيرة العربية قبل وبعد الإسلام
أريد أن أعرف عن أثر دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على شبه الجزيرة العربية؟
المزيد »
فضل تربية البنات والإحسان إليهن
أنا رجل أخاف الله والحمد لله، أحدد النسل رزقت ببنتين وحمدت ربنا على ذلك، ثم رزقني الله ببنت ثالثة مع...
المزيد »
تأديب العم ابن أخيه مشروع
إذا اعتدى عمُّ على ولد ليس ابنه، بل هو ولد أخيه، وعمره 13 سنة، وتضارب معه، والولد لا حول له ولا قوة إلا...
المزيد »
التأثير السلبي لمشاكل الزوجين على الأبناء
بارك الله فيكم، سؤالي حول المشاكل المستمرة بين والدي ومنذ مدة طويلة جدا بحيث تولد الكره بينهما واستمرار...
المزيد »
غربة المسلم..الحب.. الفراغ.. الحيرة.. مشكلات لها حلول
لن اطيل المقدمات في غمرة مشاغل ولهوات هذه الحياة نحن جيل الشباب نجد بعض الصعوية في الثبات على الصحيح...
المزيد »
علاج كثرة كلام المراهقات في التليفون
مشكلتي أن لدي ابنة تبلغ من العمر 14لكنها تنشغل بالهاتف أكثر عن اللازم ...إنني على يقين بأنها لا تعمل...
المزيد »
الحل المثالي للمشاكل والعقبات
أنا أعاني من ضيق نفسي بسبب إحساسي بكره عائلتي لي، أنا حاولت بكل الطرق لإرضائهم لكن فشلت، هم ينظرون لي...
المزيد »
العاقل يتخذ من الخطأ سلما للنجاح
أنا مشكلتي أنني لا أثق بالآخرين وتوسعت هذه المشكلة حتى أصبحت لا أثق بنفسي ، لا أثق أني سأنجح في الدراسه...
المزيد »
واجبات الزوجين لبناء الأسرة الإسلامية السعيدة
في غالب الأحيان عندما أقرأ عن دور الزوجين، أجد إخوتنا المسلمين يحملون المرأة سبب نجاح أو فشل الأسرة،...
المزيد »
التربية الجنسية للأولاد
ابني عمره خمس سنوات، وقد بدأ يسألني بعض الأسئلة حول أعضائه التناسلية مثل: ما هي؟ وما فائدتها؟ وأسئلة...
المزيد »
وضوء الأم وصلاتها وهي حائض لتعليم الأولاد
لي طفلان 4 سنوات و2.5 سنة أحاول أن أجعلهم يعتادون علينا (أمهم وأنا) نصلي، فهل يجوز لزوجتي وهي حائض ادعاء...
المزيد »
تربية الأولاد أمر مشترك بين الزوجين
هل يجوز إنجاب الأطفال لآباء مهملين في الرعاية، وعدم تربيتهم التربية الإسلامية؟
المزيد »
الطفل يتبع خير الأبوين دينا
أنا رجل مسلم والحمد لله, وتزوجت بامرأة كانت على الدين المسيحي وقبل الزواج أسلمت وأنجبت منها طفلة, ولكن...
المزيد »
كيفية الرد على أسئلة الأطفال حول وجود الله تعالى ورؤيته
كيف نرد على الولد الذي يسأل عن وجود الله تعالى وزمان وجوده وإلخ... من الأسئلة المحرجة؟
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك