![]()
ربيع الأنوار.. شهر البداية والنهاية
محمد الشرشابي
ربيع الأنوار.. شهر البداية والنهاية
شهر ربيع الأول فصل من فصول النور في ذاكرة الأمة الإسلامية، فقد ارتبط هذا الشهر بأحداث عظيمة تركت بصماتها في مسار الدعوة والتاريخ، حيث يتلألأ شهر ربيع الأول كدرّة في عقد التاريخ الإسلامي، يحمل في طيّاته عبق الرسالة، وذكريات النور، ومشاهد التحوّل العظيم الذي غيّر مسار الإنسانية.
إنه شهر يجمع بين البداية والنهاية، بين المولد والرحيل، بين بناء الأمة وتثبيت أركانها، ليبقى شاهدًا على أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها كانت ملحمة نورانية متكاملة، جسّدت معنى الرسالة، وحقّقت وعد الله بأن يُظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
ففي ربيع الأول هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وكانت تلك الهجرة الحدث الأبرز الذي غيّر مجرى التاريخ، إذ انتقلت الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الضيق إلى السعة، ومن الفردية إلى بناء المجتمع والدولة. كما شهد هذا الشهر تأسيس المسجد النبوي الشريف، ذلك المنارة التي جمعت بين العبادة والعلم والسياسة والاجتماع، فكان بحق جامعةً للأمة.
وفي هذا الشهر المبارك أيضًا بزغ نور الرحمة للعالمين، حيث وُلد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون مولده بداية عهد جديد للبشرية، يبدد ظلمات الجاهلية، ويُشيّد حضارة قائمة على التوحيد والعدل والرحمة. لقد جعل الله ميلاده صلى الله عليه وسلم آية على أن الرسالة الخاتمة قد اقترب ميعادها، وأن الأرض تستعد لاستقبال أعظم قائد وأكرم نبي.
ولا يتوقف شرف هذا الشهر عند هذه المحطات، بل هو أيضًا الشهر الذي انتقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، لتكتمل دورة الرسالة في أبهى صورها، ويبقى أثرها خالدًا إلى يوم الدين.
إن استحضار هذه المعاني في ربيع الأول يُعيد إلى القلوب حرارة الشوق لرسول الله، ويغرس في النفوس وعيًا بأهمية الاقتداء بسيرته، والتعلق بسنته، والاعتزاز بأمته. إنه شهر يذكّرنا بأن تاريخنا ليس مجرد وقائع، بل هو دروس وعِبر تبعث فينا الإيمان والعزيمة.



