![]()
براهين الإيمان..
رحلة العقل والروح في مواجهة دواعي الشك
- كتب
يطلّ كتاب “براهين الإيمان” للدكتور عبد المجيد الزنداني، لا ليقتصر على ترديد خطاب وعظي تقليدي، بل لينطلق في رحلة فكرية استدلالية تجمع بين صرامة العقل وشفافية الروح. إنه ليس كتاباً للدفاع عن الإيمان فحسب، بل هو دعوةٌ لإعادة اكتشافه عبر مسالك البرهان والعلم، حيث يتحول الإيمان من موروثٍ تقليدي إلى قناعة شخصية تروي ظمأ الفطرة وتشفي غليل العقل.
النقطة التي يلتقي عندها الجميع
يضعنا الزنداني على عتبة الرحلة من أوسع أبوابها، من “فطرة الإيمان” الكامنة في كل إنسان. إنها ليست فكرة مجردة، بل هي ذلك النداء الخفي الذي يسمع صداه في أعماق كل فرد عند الشدائد، أو عند التأمل في جمال الكون وعظمته. يشرح الكتاب أن هذه الفطرة هي الأساس الأول الذي تنبني عليه جميع البراهين، فهي بمثابة البوصلة الداخلية التي تقود الإنسان نحو خالقه، حتى لو حاول أن يكبتها أو ينكرها تحت وطأة الشهوات أو الشبهات. إنها الاستعداد الفطري لقبول وجود قوة عليا، حكيمة، مدبرة لهذا الكون. من هذه النقطة، ينطلق المؤلف ليؤسس لحوار مع أولئك الذين قد يعترضون، مؤكدا أن البرهان يبدأ من هذه الأرضية المشتركة، قبل أن ينتقل إلى عالم الأدلة الملموسة.
الكون.. كتاب مفتوح يتحدث بلغة الخلق
هنا، ينتقل بنا الكتاب إلى عالم الشهادة والحس، إلى “الآيات الكونية”. إنه لا يكتفي بالقول بأن الكون دليل على الخالق، بل يغوص في تفاصيل هذا الدليل ليظهر بديع الصنع وعظيم الحكمة. من خلال استعراضه لعجائب الخلق في الإنسان والحيوان والنبات، بل وفي أدق تفاصيل الذرة والسموات، يبني الزنداني حجته على “دليل العناية” و “دليل النظام”. فالنظام المذهل الذي يحكم الكون، من دورة الفلك إلى توازن النظم البيئية، يشير حتماً إلى منظّم حكيم. والعناية الظاهرة في تكوين الكائنات وتأمين حاجاتها، تدل على خالق رحيم عليم. إنه يحول نظرتنا إلى الكون من مجرد مادة صماء إلى كتاب مفتوح، كل آية فيه تهمس، بل تصرخ، بأن له إلهاً واحداً أحداً، فرداً صمداً.
لقاء العلم والدين: حين تصبح الحقائق العلمية شواهد إيمانية
ربما تكون هذه المحطة هي الأكثر تميزاً في رحلة “براهين الإيمان”، حيث ينتقل المؤلف من الفلسفة الطبيعية إلى ساحة “الإعجاز العلمي” في القرآن والسنة. لا يقدم الزنداني العلم كبديل عن النص الديني، بل كشاهدٍ عليه ومصدّق له. يعرض الكتاب لجملة من الحقائق العلمية التي لم يكتشفها الإنسان إلا حديثاً، وكان القرآن الكريم أو السنة النبوية قد أشاروا إليها بدقة مذهلة قبل قرون طويلة. من أمثلة ذلك مراحل تخلق الجنين في بطن أمه، التي وصفها القرآن وصفاً دقيقاً يتطابق مع ما كشفه علم الأجنة، أو بعض أسرار البحار والجبال التي ذكرت في النصوص وفسرها العلم الحديث. الهدف ليس إثبات أن القرآن كتاب فيزياء أو أحياء، بل إثبات أن الذي أنزل هذا القرآن هو نفسه الذي خلق هذا الكون، وبالتالي فإن كلامه لا يمكن أن يصدر إلا من لدن خبير عليم. إنها محاولة لجسر الهوة المصطنعة بين “الحقيقة العلمية” و “الحقيقة الدينية”، وإظهارهما كوجهين لحقيقة واحدة.
البرهان الأخير: نداء التاريخ والنبوة
لا تكتمل حلقة البراهين دون التوقف عند الدليل التاريخي المتجسد في “رسالة النبوة”. هنا، ينتقل الزنداني من براهين الطبيعة والعلم إلى برهان التاريخ والشخصية. يتناول سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا كقصة عابرة، بل كنموذج حي على صدق الرسالة. يسأل: كيف لرجل أمي في بيئة جاهلية أن يأتي بهذا القرآن المعجز بلغته وأحكامه وعقائده؟ وكيف يمكن لشخصية بهذا الصدق والأخلاق الفاضلة والثبات على المبدأ أن تكون كاذبة؟ يعرض الكتاب لشهادات المنصفين من غير المسلمين في عظمة شخصيته وأثر رسالته. كما يتناول استمرار ونقل هذا الدين عبر الأجيال بطريقة متواترة تمنع أي شك في أصله وصدق نبيه. إنه البرهان الذي يجمع بين المنطق والأخلاق، بين العقلانية والشهادة التاريخية، ليقدم النبي نفسه كأعظم آية عملية على صدق ما جاء به.



